مصطفى لبيب عبد الغني
218
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
أحوالهم . فصار المولود من الملوك والناشئ في نعمهم لا تحتمل بشرته خشن الثياب ولا تقبل معدته بشع الطعام بالإضافة إلى ما يقنع به المولود من العامة ، لكن يتألم من ذلك ألما شديدا ، أو المعتادون أيضا إصابة لذة ما من اللذات يتألمون عند المنع منها وتكون المؤونة عليهم متضاعفة وأبلغ وأشد ممن لم يعتد تلك اللذة ، ومن أجل ذلك أنه لا يمكن أن يكون تكليفهم كلهم تكليفا سواء بل مختلفا بحسب اختلاف أحوالهم . فلا يكلف المتفلسف من أولاد الملوك أن يلزم من الطعام والشراب وسائر أمور معايشه ما يكلّف أولاد العامة إلّا على تدريج إن دعت ضرورة . لكن الحد الذي لا يمكن أن يتجاوز هو أن يمتنعوا من الملاذ التي لا يمكن الوصول إليها إلّا بارتكاب الظلم والقتل وبالجملة بجميع ما يسخط الله ولا يجب في حكم العقل والعدل ، ويباح لهم ما دون ذلك . فهذا هو الحد من فوق أعنى في إطلاق التنعم . وأما الحد من أسفل أعنى في التقشف والتقلّل فأن يأكل الإنسان ما لا يضره ولا يمرض عليه ولا يتعدى إلى ما يستلذّه غاية الاستلذاذ ويشتهيه فيكون القصد إليه للذة وللشهوة لا لسدّ الجوع . ويلبس ما تحتمله بشرته من غير أذّى ولا يميل إلى الفاخر والمنقّش من اللباس . ويسكن ما يقيه من الحرارة والبرد المفرطين ولا يتعدى إلى المساكن الجليلة البهية المنقوشة المزخرفة إلا أن يكون له من سعة المال ما يمكن أن يتسع معه في مثل هذه الأمور من غير ظلم ولا تعد ولا إجهاد لنفسه في الاكتساب . ولذلك يفضل في هذا المعنى المولودون من الآباء الفقراء والناشئون في الأحوال الرّثة لأن التقلّل والتقشّف على أمثال هؤلاء أسهل كما كان التقلّل والتقشّف على سقراط أسهل منهما على أفلاطون . وما بين هذين الحدّين فمباح لا يخرج به مستعمله من اسم الفلسفة بل يجوز أن يسمّى بها . وإن كان الفضل في الميل إلى الحد الأسفل دون الأعلى وكانت النفوس الفاضلة وإن كانت مصاحبة لأجساد غذيت في نعمة تأخذ أجسادها بالتدرج إلى الحد الأسفل . فأما مجاوزة الحد الأسفل فخروج عن الفلسفة إلى مثل ما ذكرنا من أحوال الهند والمنانية والرهبان والنساك ، وهو خروج عن السيرة العادلة وإسخاط الله تعالى بإيلام النفوس باطلا واستحقاق للإخراج عن اسم