مصطفى لبيب عبد الغني

217

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

وأما الحيات والعقارب والزنابير ونحوها فاجتمع لها أنها مؤلمة للحيوان ولا تصلح أن يستعملها الإنسان كما يستعمل البهائم المعمولة فجاز لذلك إهلاكها وإبادتها . وأما الحيوان المعمولة والعائشة بالعشب فلم يجب إبادتها وإهلاكها بل الرفق بالمعمولة على ما ذكرنا والاستقلال من الاغتذاء بها ما أمكن ومن إنسالها لئلا تكثر كثرة تحوج إلى إكثار ذبحها . لكن يكون ذلك بقصد وبحسب الحاجة . ولولا أنه لا مطمع في خلاص نفس من غير جثة الإنسان لما أطلق حكم العقل ذبحها البتة . وقد اختلف المتفلسفون في هذا الأمر فرأى بعضهم أن يغتذى الإنسان باللحم ولم ير بعضهم ذلك ، وسقراط ممن لم يجز ذلك . ولما كان ليس للإنسان في حكم العقل والعدل أن يؤلم غيره تبع ذلك أنه ليس له أن يؤلم نفسه أيضا . وصار تحت هذه الجملة أيضا أمور كثيرة يدفعها حكم العقل ، نحو ما يعمله الهند من التقرّب إلى الله بإحراق أجسادها وطرحها على الحدائد المشحوذة ، ونحو المنانية وجبّها أنفسها إذا نازعتها إلى الجماع وإضنانها بالجوع والعطش وتوسيخها باجتناب الماء واستعمال البول مكانه . ومما يدخل في هذا الباب وإن كان دونه كثيرا ما يستعمله النصارى من الترهّب والتخلّى في الصوامع وكثير من المسلمين من لزوم المساجد وترك المكاسب والاقتصار على يسير الطعام وبشعه ومؤذى اللباس وخشنه ، فإنّ ذلك كله ظلم منهم لأنفسهم وإيلام لها لا يدفع به ألم أرجح منه . وقد كان سقراط يسير مثل هذه السيرة من أول عمره غير أنه تركها في آخر عمره على ما ذكرناه قبل . وفي هذا الباب بين الناس تباين كثير جدا غير متطرّق به . ولا بدّ أن نقول في ذلك قولا مقربا ليكون مثالا . فنقول : إنه لمّا كان الناس مختلفين في أحوالهم فمنهم غذىّ نعمة ومنهم غذى بؤس ومنهم من تطالبه نفسه ببعض الشهوات مطالبة أكثر كالمغرمين بالنساء أو بالخمر أو حب الرياسة ونحو ذلك من الأمور التي فيها بين الناس تفاوت كثير صار الألم الذي يقع بهم من قمع شهوات مختلفا اختلافا كثيراص بحسب اختلاف