مصطفى لبيب عبد الغني

208

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

في قمع الهوى وردعه وجملة من رأي فلاطن الحكيم « * » أمّا على أثر ذلك فإنّا قائلون في الطبّ الروحاني الذي غايته إصلاح أخلاق النفس وموجزون غاية الإيجاز . والقصد والمبادرة إلى التعلق بالنكت والعيون والمعاني التي هي أصول جملة هذا الغرض كله . فنقول : إنا قد صدّرنا وقدّمنا من ذكر العقل والهوى ما رأينا أنه لجملة هذا الغرض كله بمنزلة المبدأ ، ونحن متّبعوه من أصول هذا الشأن بأجلها وأشرفها . فنقول : إنّ أشرف الأصول وأجلّها وأعونها على بلوغ غرض كتابنا هذا قمع الهوى ومخالفة ما يدعو اليه الطباع في أكثر الأحوال وتمرين النفس على ذلك وتدريجها إليها ، فإنّ أول فضل الناس على البهائم هو هذا ، أعنى ملكة الإرادة وإطلاق الفعل بعد الروية . وذلك أنّ البهائم غير المؤدّبة واقفة عندما يدعوها إليه الطباع عاملة به غير ممتنعة منه ولا مروّية فيه . فإنك لا تجد بهيمة غير مؤدبة تمسك عن أن تروث أو تتناول ما تغتذى به مع حضوره وحاجتها إليه ، كما تجد الإنسان يترك ذلك ويقهر طباعه عليه لمعان عقلية تدعوه إلى ذلك ، بل تأتى منها ما يبعثها عليه الطباع غير ممتنعة منه ولا مختارة عليه . وهذا المقدار ونحوه من الفضل على البهيمة في زم الطباع هو لأكثر الناس وإن كان ذلك تأديبا وتعليما ، إلا أنه عام شامل وقريب واضح يعتاده الطفل وينشأ عليه . ولا يحتاج إلى الكلام فيه ، على أن في ذلك بين الأمم تفاضلا كثيرا وبونا بعيدا . وأما البلوغ من هذه الفضيلة أقصى ما يتهيأ في طباع الإنسان فلا يكاد يكمله إلا الرجل الفيلسوف الفاضل . وبمقدا فضل العوام من الناس على البهائم في زم الطبع والملكة للهوى ينبغي أن يكون فضل هذا الرجل علي العوام . ومن هاهنا نعلم أنّ من أراد أن يزين نفسه بهذه الزينة ويكمل لها هذه الفضيلة فقد رام أمرا صعبا شديدا ويحتاج أن يوطن نفسه على مجاهدة الهوى ومجادلته ومخالفته .

--> ( * ) ( نقلا عن : كتاب " الطب الروحاني " لأبى بكر الرازي ) .