مصطفى لبيب عبد الغني
209
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
ولأنّ بين الناس في طباعهم اختلافا كثيرا وبونا بعيدا صار يسهل أو يعسر على البعض دون البعض منهم اكتساب بعض الفضائل دون بعض واطراح بعض الرذائل دون بعض . وأنا مبتدئ بذكر كيفية اكتساب هذه الفضيلة - أعنى قمع الهوى ومخالفته - إذ كانت أجل هذه الفضائل وأشرفها وكان محلّها من جملة هذا الغرض كلّه محلّ الاسطقس التالي للمبدأ . فأقول : إنّ الهوى والطباع يدعوان أبدا إلى اتباع اللذات الحاضرة وإيثارها من غير فكر ولا روية في عاقبة ويحثّان عليه ويعجلان إليه ، وإن كان جالبا للألم من بعد ومانعا من اللذة ما هو أضعاف لما تقدّم منها . وذلك أنهما لا يريان إلّا حالتهما في الذي هما فيه لا غير ، وليس بهما إلا اطراح الألم المؤذى عنهما وقتهما ذلك ، كإيثار الطفل الرمد حكّ عينه وأكل التمر واللعب في الشمس . ومن أجل ذلك يحقّ على العاقل أن يردعها ويقمعها ولا يطلقهما إلا بعد التثبّت والنظر فيما يعقبانه ويمثل ذلك ويزنّه ثم يتبع الأرجح لئلا يألم من حيث ظن أنه يلتذه ويخسر من حيث أنه يربح . فإن دخلت عليه من هذا التمثيل والموازنة شبهة لم يطلق الشهوة لكن يقيم على ردعها ومنعها . وذلك أنه لا يأمن أن يكون في إطلاقها من سوء العاقبة ما يكون إيلامه واحتمال مؤونته أكثر من احتمال مؤونة الصبر على قمعها أضعافا مضاعفة ، فالحزم إذا في منعها . وإن تكافأت عنده المؤونتان أقام أيضا على ردعها ، وذلك أن المرارة المتجرّعة أهون وأيسر من المنتظرة التي لا بدّ من تجرعها على الأمر الأكثر . وليس يكتفى بهذا فقط بل قد ينبغي أن يقمع هواه في كثير من الأحوال - وإن لم ير لذلك عاقبة مكروهة - ليمرن نفسه ويروضها على احتمال ذلك واعتياده فيكون ذلك عليها عند العواقب الرديئة أسهل ، ولئلا تتمكن الشهوات منه وتتسلط عليه ، فإن لها من التمكن في نفس الطبيعة والجبلة ما لا يحتاج أن يزاد فضل تمكن بالعادة أيضا فيصير بحال لا يمكن مقاومتها بتّة . وينبغي أن تعلم أن المؤثرين للشهوات المدمنين لها المنهمكين فيها يصيرون منها إلى حالة لا يلتذونها . ولا يستطيعون مع ذلك