مصطفى لبيب عبد الغني
190
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
عن الوجود بدت غريبة في حينها فإنها لا تخرج به عن حقيقة النظرة الإسلامية الرحبة في مجموعها « 1 » . أما عن نظريته في النبوة - وهي الوصمة الكبرى في نظر الخصوم - فمجمل الرأي فيها أنه لم ينازع في وجود النبوة وإن كان قد نظر إلى ضرورتها أصلا في ضوء العقل ، ولا يختلف موقفه هنا ، في جملته ومن حيث المبدأ ، عن موقف الأشاعرة وجماعة من أهل السنة وبعض كبار الفلاسفة المسلمين مثل ابن سينا ! وهو ما سوف نعرض له في حينه . وخلافا للفكرة الشائعة عن الرازي في هذا الشأن ، نحاول أن نتلمس - من خلال النصوص القليلة الباقية - طريقا آخر نتجاوز به الأحكام المقررة عنه . ولعل ما أحنق خصوم الرازي - من متكلمين وفلاسفة - هو ما عرض له من آراء أفلاطونية ، وبخاصة ما تضمنته محاورة « طيماوس » « 2 » ومشايعته أيضا لذريّة ديمقرايطس متحديا بذلك مذهب أرسطو ومغايرا لمذهب المشائين « 3 » . غير أن الرازي يتجاوز كلية تصور أفلاطون « للصانع » الذي يملك الألوهية بدرجة سامية ، ولكنه لا يهب الموجودات وجودها « 4 » .
--> ( 1 ) من ذلك مثلا ما يذهب إليه الرازي في « مقالة فيما بعد الطبيعة » حيث يقول : « أما من زعم أن العالم واحد وبعد ذلك عنصر لا نهاية له فلم أقف له على علة ، ولكن يقال لهم ما تنكرون أن يكون عوالم لا نهاية لها وراء ذلك العنصر وذلك الخلاء » ص 134 ( من نشرة كراوس ) . ( 2 ) للرازي كتاب بعنوان : « تفسير طيماوس » ( فهرست رقم 107 ) و « تلخيص لكتاب فلوطرخس على طيماوس » ( فهرست رقم 113 ) وله أيضا « كتاب العلم الإلهى الكبير » ( فهرست رقم 116 ) . ( 3 ) وللوقوف على مدى سيطرة الأفكار المناهضة للأرسطية في الفيزيقيا عند مفكري الإسلام ، راجع : Wolfson , H . grescas , Gritique of Aristotle chap . III , و Cambridge , Harvard University Press , 1929 . ( 4 ) لمعرفة فكرة أفلاطون عن « الصانع » ، وكيف يمكن اعتباره رمزا لعملية الخلق على الرغم من أنه يمنح الكون كل شيء إلا شيئا واحدا هو « الوجود existence الأمر الذي يميزه عن -