مصطفى لبيب عبد الغني

157

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

فوضع قواعد للطب الروحاني الذي هو ضرب من التدبير للنفس « 1 » ، ويرى أنه « ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبدا الصحة ويرّجيه بها ، وإن كان غير واثق بذلك ، فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس » . « 2 » ونصيحته في ذلك للأطباء هي : « يجب أن تحسنوا استعمال السعادة إذا اتفقت لكم » « 3 » . وكيفية تدبير الرازي لعلاج الاضطرابات النفسية بعد تشخيصها بدقة تعتبر أصلا لما تحفل به كتب الطب اللاحقة بعد ذلك عند المسلمين » « 4 » . والرازي ، فضلا عن ذلك كله مثال حي للعالم الطبيب الإنسان الذي يجسّد بحق الصورة الفاضلة لما ينبغي أن يكون عليه الطبيب في عمله وخلقه وفي رعايته لمرضاه وحسن معاملتهم ، وفي تقديره لذاته ولشرف مهنته النبيلة ، وهو ما يحرص أشد الحرص على الإشادة به ، ويكفى أن نراجع في ذلك ما أثبته في « المرشد أو الفصول » وفي « محنة الطبيب » وفي رسائله الأخرى « 5 » .

--> ( 1 ) دىبور : « تاريخ الفلسفة في الإسلام » ص 149 . ( 2 ) ابن أبي أصيبعة : « عيون الأنباء » ص 420 . ( 3 ) الرازي : « الحاوي » ح 7 ص 50 . ( 4 ) في كتاب : نظامى عروضى « جهار مقالة » ذكر لعلاج الرازي للمنصور ابن إسحاق حاكم جرجان من مرض نفسي ألم به ، وفي الحكاية الخامسة من المقالة الرابعة - في نفس الكتاب - بيان لعلاج ابن سينا لحالة مستعصية من حالات مرض « العشق » وفي الحكاية السادسة بيان لعلاج ابن سينا لحالة شاب مصاب بداء الماليخوليا أو « السوداء » . وهناك رواية ترجح اطلاع ابن سينا علي علاج حالات مماثلة قام بها من قبل أحد أكابر أطباء الري ، ولعله أبا بكر الرازي نفسه . وإن لم يذكر ابن سينا ذلك صراحة . ولقد أصبح أسلوب العلاج النفسي الذي مارسه الرازي بمهارة فائقة تقليدا سار على دربه الأطباء اللاحقون ، ونجد أمثلة له بعد ذلك - في كتاب « المبدأ والمعاد » لابن سينا . وفي القسم الخاص بالعشق من كتاب القانون أيضا ( ص 316 من طبعة روما ) ، وفي كتاب « أخلاق جلالي » الذي ألّف بعد كتاب جهار مقاله بثلاثة قرون ، وفي كتاب « ذخيرة خوارزمي » الذي ألّفه سيد إسماعيل الجرجاني - بالفارسية - في القرن الثاني عشر الميلادي - متابعا فيه ابن سينا ( راجع في ذلك ( Browne , E . Arabian Medicine''pp . 81 - 88 , 91 . وراجع أيضا : الرازي : « الحاوي » ح 1 ص 62 - 87 . ( 5 ) يقول الرازي في « المرشد » : « لا تتخذن طبيبا غليظا الطبع ، ولا متهورا مبادرا عجولا ، ولا قاسيا حربا ، ولا وقاعا في الناس حسودا لهم ، بل تحر . ويجب أن يكون من أضداد هذه -