مصطفى لبيب عبد الغني
143
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
دون لجاج أو مماحكة ودون عناد أو مكابرة يصحح أخطاءه كما يصحح أخطاء الغير ، ويرجع عن التشبث بالرأي الشخصي متى يتبينّ عدم صحته أو عدم جدواه . وفي كتاب الحاوي يعود الرازي إلى رأى لجالينوس كان قد اطرحه من قبل ، وذلك بعد أن ثبت له صحة رأى جالينوس وغلط رأيه هو الخاص . وفي ذلك يقول : « ينبغي أن نعمل على هذا ، فهو صحيح ، وهو نص كلام جالينوس ، فأما ما قد كتبناه . . فغلطّ » ! « 1 » . إن ثقة الرازي في نبوغه العلمي واعتزاره بقيمة أفكاره لم يحل أبدا بينه وبين الحرص الشديد على تقدير الرأي الصائب يصدر عن أهل الثقة من ذوى العلم والخبرة المشهود لهم بعلو المنزلة ورفعة الشأن ؛ والرازي يقول عن نفسه : « أنا أستوحش من مخالفة القدماء كلهم » « 2 » ؛ وذلك متى لم يكن لمجانبة الرأي أو الخروج عليه ضرورة أو مناسبة . والحقيقة إننا لا نملك إلا التأثر والاعجاب بما يقوله في مقدمة كتابه « الشكوك » عن قدر جالينوس : « يعلم الله مضضا في نفسي إذ قد بليت بمقابلة من هو أعظم الخلق منّة ، وأكثرهم لي منفعة ، وبه اهتديت ، وأثره اقتفيت ، ومن بحره استقيت بما لا ينبغي أن يقابل به العبد سيده والتلميذ أستاذه والمنعم ولىّ نعمته ، وبودى يشهد الله ، أن هذه الشكوك التي ذكرتها في هذا الكتاب لم تكن في كتب هذا الرجل الفاضل العظيم قدره الجليل خطره العام نفعه الباقي بالخير ذكره » « 3 » . وهذه الشجاعة في الرأي على صعوبتها وندرتها - سمة علمية وأخلاقية لازمة لإنجاح البحوث العلمية وعاصمة للعلماء من التردى في مهاوى الخطأ « 4 » .
--> ( 1 ) الرازي : « كتاب الحاوي » مخطوط ورقة 21 . ( 2 ) الرازي : « الحاوي » ج 3 ص 245 . ( 3 ) الرازي : « الشكوك على العالم أفضل الأطباء جالينوس » ص 1 . ( 4 ) قارن في ذلك ما يذهب إليه « بفردج » من أنه : « ليس هناك ما يدعو إلى الخوف من الوقوع في الخطأ بشرط أن يعرف المرء هذا الخطأ في الوقت المناسب ويصححه . . . وقد عبر « وايتهد » عن هذا المعنى ببلاغة حين قال : « الخوف من الخطأ مقبرة التقدم » . والواقع أن طريقة استجابة -