مصطفى لبيب عبد الغني
144
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
ولا يربط الرازي بين صواب الفكرة وبين مصدرها أو السلطة التي صدرت عنها ويقتدى بالقول المأثور « الحكمة ضالة المؤمن » . ولقد سار الرازي - في هذا الجانب - إلى نهاية المطاف إلى حد أنه تشكك في قيمة « الإجماع » و « التواتر » دليلا على الصواب ؛ ذلك أن الحق حق في ذاته بصرف النظر عن قائله وهو يحمل مسوّغه في قيام الدليل عليه من مشاهدة حسّية أو اتساق مع بداهة العقول . وإذا كان من أوجب ما يقضى به العقل عدم التسرع في إنكار ما ليس على بطلانه برهان بعد ، لما في ذلك من تضييع للمعارف الحقيقية وإغلاق لبنية المعرفة أمام العقل السليم ، فإنه يلزم بالمثل التوقف عن الحكم والإثبات مع غياب الدليل والبرهان . وها هو الرازي يكشف عن هذا الموقف العلمي المتزن في قوله : « لا ينبغي لنا أن ندع شيئا نؤمل فيه نفعا من أجل أن قوما جهلوا وتعدّوا . وقد كان الواجب عليهم ، لو كانوا أهل رأى وتثبت وتوقف ، أن لا يبادروا إلى إنكار ما ليس عندهم علي بطلانه برهان . فإنه ليس البرهان على إخبارنا أنه كذا وكذا بأوجب منه على إخبارنا أنه لم يكن كذا وكذا . ولو لم يكن في هذا الأمر إلا هذه الواحدة ، لوجب التوقف والتثبت عن دفع ما لا يوجب على دفعه برهان ، وتركه موقوفا إلى أن يصح ببرهان » « 1 » .
--> - المفكر المدرب لكشفه عن خطأ فكرته ، تعطيه ميزة كبيرة على الشخص غير المدرب . . وليس الباحث العلمي المنتج ، عادة ، بالشخص الذي يخشى المجازفة أو التعرض للفشل ، ولكنه الشخص الذي يقوم باختبار قاس لكشف الخطأ قبل أن يعرض نتائجه . . . وفي اعتقادي أن أفضل شيء يستطيع الانسان عمله بعد نشر الحق - هو المجاهرة بالرجوع عن الخطأ » ( بفردج : « فن البحث العلمي » ص 104 ، من الترجمة العربية ) . وما يقوله أيضا « كلود برنارد » : « لا بد أن نكون دائما على تمام الأهبة للتخلي عن أفكارنا ونظرياتنا أو تعديلها أو استبدال غيرها بها متى تبيّن أنها لم تعد تصور الحقيقة الواقعية » ( كلود برنارد : « مدخل إلى دراسة الطب التجريبى » ، ص 39 ، من الترجمة العربية ) . ( 1 ) الرازي : « خواص الأشياء » ورقة 119 ( مخطوط بدار الكتب المصرية ) .