مصطفى لبيب عبد الغني

132

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

حدود المعرفة التجريبية : لما كان من المتعذر الإحاطة بكل أثار الموجودات بعضها في بعض والإحاطة بما في خبرتنا على جهة الشمول وبما حدث في الماضي وبما سوف يحدث مستقبلا أصبح طابع المعرفة العلمية الترجيح والاحتمال وليس اليقين والضرورة . ويلزم عن إدراك هذه الخاصية للمعرفة العلمية أن يكون طريق البحث العلمي موصولا في حركة دائبة لا تنقطع . ولا نجد - في الحقيقة - عند الرازي أي نزعة مغلقة : سواء أكانت نزعة عقلية محدودة بحدود قطعية أو كانت نزعة تجريبية ساذجة محدودة بحدود الحس الراهن والادعاء الأجوف بأن ما لم يبلغ عقولنا معرفة سببه أو ما لا يدخل في نطاق إحساساتنا المباشرة لغو وباطل إنما هو تطرف لا موجب له ولا حقيقة تسّنده ، بل زعم يفتقد إلى كل مشروعية لتبريره . ان عدم النظر إلى التجربة العلمية في شمولها ورحابتها من شأنه أن يؤدى إلى موقف يدفعه الرازي ويحذّر من مخاطره المتمثلة في سرعة الرفض والتكذيب وما ينشأ عنه من ضرر بيّن يلحق بالمعرفة العلمية السليمة ويعوق تطورها أو في سرعة القبول والتصديق دونما سند من برهان عقلي أو تجريبى . ونحن نجده يقول في كتابه عن « خواص الأشياء » « 1 » : « لا ينبغي لنا أن ندع شيئا نؤمل فيه نفعا من أجل أن قوما جهلوا وتعدّوا . وقد كان الواجب عليهم ، لو كانوا أهل رأى وتثبت وتوقف ، أن لا يبادروا إلى إنكار ما ليس عندهم على بطلانه برهان . فإنه ليس البرهان على إخبارنا إنه كذا وكذا بأوجب منه على إخبارنا إنه لم يكن كذا وكذا . ولو لم يكن في هذا الأمر إلّا هذه الواحدة ، لوجب التوقف والتثبت عن دفع ما لا يوجب على دفعه برهان ، وتركه موقوفا إلى أن يصح ببرهان » « 2 » .

--> ( 1 ) صفات الأشياء عند الرازي صنفان : الأول بسميه الأفعال وهو ما يعرف له علة واضحة . والثاني يسميه الخواص وهو ما لا يعرف له تعليلا واضحا . ( 2 ) الرازي : « كتاب خواص الأشياء » ورقة 119 ( مخطوط بدار الكتب المصرية . رقم طب 141 ) .