مصطفى لبيب عبد الغني

133

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ويزيد الرازي هذا الأمر وضوحا بما يكشف عن مرونة عقلية فائقة وعن تصور رحب لحدود الوقائع التجريبية فيقول : « إنما لما رأينا لهذه الجواهر أفاعيل كثيرة نافعة لا يبلغ عقولنا معرفة سببها الفاعل ولا يحيط به ، لم نر أن نطّرح كل شئ لا ندركه ولا تبلغه عقولنا ، لأن في ذلك سقوط جلّ المنافع عنا ، بل نضيف إلى ذلك ما أدركناه بالتجارب وشهد لنا الناس به ، ولا نحلّ شيئا من ذلك عندنا محل الثقة إلا بعد الامتحان والتجربة له . ولما كان كثير من أردياء الناس قد يكذبون في مثل هذه الأشياء ولم يكن عندنا شئ نختبر به حق المحق وباطل المبطل في هذه الدعاوى إلّا التجربة [ في الجزم ] أن تكون هذه الدعاوى غير مطّرحة ، بل مجموعة مدونة ، لا نأمن أن يكون اطراحنا إياها اطّراح أشياء جليلة نافعة . . . . وتكون عندنا موقوفة إلى أن تشهد عليها التجارب » . « 1 » ولأنّ الرازي على وعى بحدود الخبرة العلمية والتجريب فإننا نراه ينصح المشتغل بالطب قائلا : « إن الحقيقة في الطب غاية لا تدرك » « 2 » ، وأن « العمر يقصر عن الوقوف علي فعل كل نبات في الأرض ، فعليك بالأشهر ، مما أجمع عليه ، ودع الشاذ ؛ واقتصر علي ما جرّبت » « 3 » ، فإن النزعة التجريبية ارتبطت ، على ذلك بحدود ما هو ممكن ، و « الطبيب يكفيه التقريب ، وليس يمكنه أن يبلغ التدقيق والتحقيق في ذلك أبدا » « 4 » . ويكفى الطبيب أن يبحث في الأعراض الظاهرة دون الماهيات المجهولة الكيفية طالما أن « الماهيات مختلف

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 120 . ( 2 ) ابن أبي أصيبعة : « عيون الأنباء » ص 420 . ( 3 ) المرجع السابق ، نفس الموضع ، ويذكر ابن أبي أصيبعة للرازي كتابا بعنوان : « في أن الطبيب الحاذق ليس هو من قدر على إبراء جميع العلل ، فإن ذلك ليس في الوسع ولا في صناعة أبقراط ؛ وأنه قد يستحق أن يشكر الطبيب ويمدح . وان تعظم صناعة الطب وتشرف ، وإن هو لم يقدر على ذلك ، بعد أن يكون متقدما لأهل بلده وعصره » ( « عيون الأنباء » ص 425 ) . ( 4 ) الرازي : « كتاب المرشد أو الفصول » ص 100 .