مصطفى لبيب عبد الغني
105
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
وهو يذكر علاج الصداع : « من عادتي أن أسأل المريض كيف تجد الصداع ؟ فبعضهم يخبر كأن رأسه تؤكل أكلا ، وبعضهم يجد أنه يحسّ على رأسه بحمل ثقيل ، وبعضهم يقول إنه يحسّ بحرارة قوية أو ببرد قوى » « 1 » . وعلى ذلك ، فإن نصيحة الرازي للطبيب هنا هي : « . . . أجد التخمين والحدس ، فإذا وقعت على السبب فلا تغير التدبير إن لم تره ينجح وذلك أنه ربما كانت العلة قوية فلا يؤثر فيها أثر إلا بعد مدة ، لأنه يحتاج إلى علاج قوى ليتبين الأثر » « 2 » . والرازي على وعى بالتفرقة بين الأعراض الملازمة والأسباب الحقيقية للمرض ، وهو يقدر الإنذارات تقديرا سليما . ولنتأمل في ذلك قوله : « لي : ينبغي أن نعلم أنه ليس متى نفث دما بالسعال ، والأمر فيه مهول عظيم ، دلّ علي أمر يعسر علاجه وبرئه لأنه قد يكون ذلك عن هذه العلة ، وقد يكون ذلك لانفتاح عروق كالبواسير وغير ذلك ، لكن متى رأيت مع نفث الدم أعراضا رديئة وكانت الأسباب رديئة سابقة فحينئذ فاعلم أنه ردئ ، وأما في غير ذلك فلا تخف وعلاجه في ما يقبض إن أفرط ، والفصد ، وتخفيف الامتلاء » « 3 » . ومن بين الأمثلة على جودة تمييزه بين الأمراض المتشابهة نذكر قوله في الحاوي ، مفرقا بين ذات الرئة وذات الجنب وبين ذات الجنب وورم الكبد : « لي : إذا تساويا في الحدّة والحرارة كان ضيق النفس في ذات الجنب أقل . الفرق بين ذات الرئة وذات الجنب أن في ذات الرئة شدة ضيق النفس جدا حتى كأنه يختنق ولا يقدر أن يتنفس والنفث معه بلغمى والوجع في الصدر . وأما ذات الجنب فإنه يقدر أن يتنفس نفسا عظيما ولو أن نفسه مختلف بحسب المادة والوجع في صدره . والنبض في ذات الرئة ليّن موجى ، وفي ذات الجنب صليب نحيف متواتر ولا تحمرّ الوجنتان » « 4 » .
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ج 1 ص 228 . ( 2 ) المصدر السابق ، ج 1 ص 229 . ( 3 ) المصدر السابق ، ج 4 ص 89 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 93 .