مصطفى لبيب عبد الغني
10
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
أن عرفت آثاره وترجمت في وقت مبكر إلى اللاتينية وغير اللاتينية من اللغات الحديثة منذ أكثر من ستة قرون . ولشد ما كان ارتباطنا بالرازي وتعاطفنا معه وهو يتفرّد بموقفه العقلي فلا يضيع في غمار المتشيعين للفكر السائد والثقافة المعتمدة على تنوع صورها وأشكالها بل يولي لأفكاره ومعارفه ثقة نادرة قلّ أن نعهدها عند غيره . هذا الموقف المتفرد - الذي ظهر لمعاصريه غريبا في جرأته - يدفعنا إلى التساؤل - ابتداء - عن حقيقة « المنهج » الذي سار عليه الرازي في بحوثه وعرفناه به - في تاريخ العلم الإسلامي - طبيبا فذّا على غير مثال سابق . ومع أن فكرة المنهج غالبا ما تكون مضمرة في النسق الفكري ، فلعل في محاولتنا الكشف عن منهج البحث عند الرازي وبيان حدوده وعناصره مناسبة طيبة للوقوف على آرائه العلمية والفلسفية وتقدير أصالتها ومدى فاعليتها في بناء الفكر العلمي الإسلامي وتشكيل صورته ، تأسيسا على أن فترات التطور العلمي الحاسم هي ذاتها فترات مراجعة المناهج والوعي يأسسها لامتحان صوابها وبيان جدواها على وجه العموم . * * * ولقد جاءت دراستنا هذه في ستة فصول وخاتمة : اشتمل الفصل الأول منها على ذكر الاعتبارات المنهجية العامة التي جاهدنا أن نلزم أنفسنا بها قدر الطاقة ، وجاء الفصل الثاني عن نظرية العلم ، وعالج الفصل الثالث فكرة المنهج ، وعرض الفصل الرابع لمسلمات المنهج العلمي ، أما الفصل الخامس فتناول خصائص المنهج وعناصره من التجريد والتعميم والتجريب والموضوعية وفي الفصل السادس عرض موجز لثمار العبقرية العلمية عند الرازي - طبيب
--> - ولا يسلم الرازي من سوء التقدير حتى عند الطبقة المتميزة من أقرانه العلماء أمثال ابن سينا والبيروني وابن رضوان وصاعد الأندلسي . وفي عصر انحطاط العلم عند المسلمين تلصق بالرازي تعاويذ بشعة وغريبة . ( راجع مثلا : تذييلا لبعض تلاميذ صاحب « التذكرة » - وهو مطبوع تعليقا على تذكرة داود الأنطاكي وبهامشه « النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة » ، محمد على صبيح بالقاهرة عن النسخة الأميرية المطبوعة 1282 ه / 1865 م ) .