محمد كمال شحادة
210
تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية
على بعض المركبات الكيماوية من تأثير النور فيها ، والعلم لا يحصل للنفس حين كون العقل مفعولا ، بل حين كونه فاعلا لما يزعمون . فالعلم يحصل في العقل متى أثرت فيه صور الأشياء فنبهته من غفلته إلى العمل فيتدبر تلك الصور ويبحث عن حقائقها ويستقصي أسبابها ليجمعها في نظام معين ويدرجها تحت أقسام مخصوصة . . ومتى حصل ذلك للعقل كانت فاعليته غالبة على مفعوليته ، وذلك يشبه ما يحدث في النبات متى وقع النور عليه فإنه ينبه فيه قوى جديدة فتهب إلى قضاء أعمال لا يستطيع غيرها عملها . هكذا العقل متى جعل يتدبر صور الأشياء التي ترتسم عليه تستيقظ فيه قوى جديدة وتشرع تشتغل أشغالا أسمى من أشغاله المعتادة لتنتج منها نتائج أعلى من غيرها شأنا وأعظم اعتبارا . فالمعرفة دون العلم لأنها تحصل بالانتباه فقط ، والعلم لا يحصل إلا بأعمال الفكرة والانتباه . إذا عرفنا أسماء الكواكب السيارة وحركاتها حول الشمس وأزمنتها وأسماء البروج والصور ومواقعها واستوعبنا كل ما في السماء مما يأخذ بالأبصار ويدهش البصائر ، فلا نتجاوز حد المعرفة ولا نصل إلى ديار العلم ولا نعلم علم الهيئة . وإذا أحطنا بكل عناصر العالم معرفة وبكل ما يتركب منها من الكائنات التي لا تحصى ، حية كانت أو جمادا ، بل إذا عرفنا الطرق التي بها نميز البسائط من مركباتها والكواشف الكيماوية التي بها نفرّق البسائط عن تلك المركبات ، فلم نبلغ إلى ما وراء المعرفة ، ولم ندخل روضة من رياض العلم . وإذا عرفنا كل العظام والعضلات والأوتار والأعصاب التي يتألف منها الجسد الإنساني ، بل إذا استقصينا شرايينه إلى أدق توزعاتها وتتبعنا أوردته إلى أخفى شعرياتها ودققنا في أعصابه إلى أغمض ضفيراتها وأصغر أليافها وكرياتها ، فإننا لم