محمد كمال شحادة
211
تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية
نزل نجول ضمن دائرة المعرفة ولم نتعداها إلى العلم ، وليست هذه المعرفة هي العلم ولو مهما عظمت فوائدها وارتفع شأنها . إننا نخرج من دائرة المعرفة وندخل رياض العلم متى تدبرنا ما في السماء من العوالم العظيمة العجيبة وما على الأرض من المخلوقات العديدة الغريبة وما في الجسد من التركيب الغامض والترتيب البديع بقصد الاطلاع على أسبابها ، إذ العلم لا يحصل إلا متى تجاوز العقل من المنظور ليبحث عن غير المنظور ، فلا يبقى إذ ذاك مفعول لما يؤثر فيه من الصور الخارجية التي تقع عليه ، بل ينتبه إلى معرفة أسباب ما أثر فيه من الأشباح وصورها ويغلب الانفعال بالفعل . ولذلك يجب أن تزداد المعارف ويتعاظم عددها ولكن يجب أن لا تبقى معارف مجردة بل أن تتدبرها العقول فتحولها من معارف ميتة لا حياة فيها إلى علم حي يكشف أسبابها والوقوف على علاقاتها . وربما لم تكن حاجة لإطالة الكلام في تمييز العلم عن المعرفة ، ولكني أرى أن هذا التمييز بينهما مهم يجب رسوخه في الأذهان على الدوام ولما كنتم قد أحرزتم في هذه المدرسة معارف عديدة متنوعة وتمرنتم على أعمال الفكر والتدبر في علل الأشياء حتى صرتم متميزين في وطنكم بالمعارف والتدرب على أساليب العلم وصار يطلب منكم أن تخدموا وطنكم والعلم الذي أتيتم تطلبونه خدمة نافعة ، فعليّ بعد أن بيّنت لكم الفرق بين العلم والمعرفة أن أبين لكم من هم رجال العلم وكيف يمكنكم أن تعملوا عملهم وتحذوا حذوهم ، وأن أبين لكم أيضا حدود العلم والوسائط التي بها تتجاوزون هذه الحدود إلى ما هو أعلى من العلم حتى تصيروا رجالا مستكملين صفات الإنسانية . قلت إن العلم يبحث في الطبيعة عن أسباب الحوادث ووضعها في موضعها الصحيح فأعيروني السمع بينما آتيكم بمثل أو مثلين لإيضاح ذلك . مر على الناس أجيال قبل أن تقرر علم الجيولوجيا في الوجود ، أعنى أن الناس جمعوا عددا عديدا من المعارف عن تركيب قشرة الأرض قبل أن نظموها في سلك