يوسف زيدان
9
إعادة اكتشاف ابن نفيس
مقدمة الطبعة الثانية كان اكتشاف ابن النفيس ، أول مرة ببلدة ( فرايبورج ) بألمانيا ، وهي البلدة الهادئة الواقعة وسط محيط هائل من الخضرة الكثيفة التي يسمونها هناك : الغابة السوداء ، من شدة اخضرار أشجارها وتلاحمها . ولهذا الاكتشاف ( الأول ) قصة مشوقة ، ملخصها الآتي : توفى ابن النفيس في القاهرة سنة 687 هجرية ( 1288 ميلادية ) بعد حياة حافلة ، أعقبها صمت طويل عن ذكره والاهتمام بآثاره . فبحوثه العلمية لم تجد من يستكملها ، ولم تجد مؤلفاته من الاشتهار ما يليق بها . ولولا شرحان أو ثلاثة على كتابه ( الموجز في الطب ) لقلت إن مؤلفاته نسيت كلية . . وما ذاك بالغريب ، فقد دخلت المنطقة من بعد زمن ( ابن النفيس ) في غيابة الجبّ ، فحكمها المغامرون من المماليك الذين تصارعوا على السلطة وتنازعوا ، بل انتزعوها من بعضهم على قاعدة : الحكم لمن غلب . . وهي القاعدة المملوكية الشهيرة التي سرعان ما اكتوى المماليك أنفسهم بنارها مع مجىء العثمانيين فاتحين للشام ومصر باسم الإسلام ودولته . وامتد الزمان المملوكى والعثماني بالبلاد امتدادا غير حسن ، ولم تفلح جهود العلماء المصريين والشّوام الذين حاولوا خلال القرنين السابع والثامن الهجريين إعادة تدوين النتاج الحضارى العربي في القرون السابقة ، فظهر خلال هذين القرنين ( في مصر بالذات ) عدد كبير من الموسوعات والمطوّلات في مختلف فروع العلم أملا في الحفاظ على جذور المعرفة متوقّدة ، غير أن الأمر لم يفلح لسوء الأحوال العامة وتردّى مقام العلم والعلماء . . وقرنا من بعد قرن ، انطمست الآثار