يوسف زيدان

10

إعادة اكتشاف ابن نفيس

الحضارية ، وأهملت المعارف ، إلا من بعض لمعات ولمحات كانت تلوح بين السنين في تلك الديار العربية المنسية ، على هيئة كتاب أو رسالة علمية أو وقوف على الأطلال الحضارية التي اندرست . ثم تحركت السواكن ، ونهضت المنطقة من كبوتها ، وعاد الناس للاهتمام بالعلم والمعرفة . ولما دخل القرن العشرون ( الميلادي ) كان هناك حرص مصرى على اللّحاق بركب الحضارة ، أو ما كان يسمى آنذاك : التمدن الأوروبى . وكانت البعثات العلمية المصرية إلى أوروبا إحدى الوسائل التي سعى المصريون من خلالها ؛ لتحصيل ما فاتهم من العلوم . وفي مطلع العشرينيات من القرن العشرين ، كان طالب البعثة المصرية محيي الدين التطاوى من مدينة ( طنطا ) الواقعة بقلب دلتا النيل ، قد أوفد إلى ألمانيا لدراسة الطب والحصول على درجة ( الدكتوراه ) من جامعة فرايبورج الألمانية ، وهي واحدة من أعرق الجامعات الأوروبية ؛ إذ تأسست في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي . وبالمناسبة ، فإن جامعة فرايبورج هذه ، هي التي أعطت للعالم أشهر اثنين من الفلاسفة الألمان في القرن العشرين : هيدجر ، هوسرل . وبالصدفة ، وجد المبعوث المصري ( التطاوى ) مخطوطة عربية هناك ، وهي كتاب لابن النفيس ، عنوانه : شرح تشريح القانون . وهو كما سنعرف فيما بعد ، أحد الشروح الكثيرة التي وضعها ابن النفيس على القانون في الطب ، لابن سينا . . واندهش التطاوى حين وجد بين ثنايا المخطوطة العربية القديمة وصفا للدورة الدموية يشرح فيها ( ابن النفيس ) انتقال الدم من القلب إلى الرئة ، ثم عودته إليها محملا بالطاقة اللازمة للجسم ، وهي الطاقة الحيوية التي كان ابن النفيس يسميها الأرواح . . وبالمناسبة ، فإن ( ابن النفيس ) كان حريصا في كتبه على بيان أنه لا يقصد بالأرواح معناها الديني ، وإنما يقصد بها تحديدا : القوى الطبيعة التي في الدم ( وهو ما صرنا الآن نعرفه باسم : الأوكسجين ) . وعرض التطاوى الأمر على أستاذه المشرف ، واتفقا على أن تكون رسالة