يوسف زيدان
137
إعادة اكتشاف ابن نفيس
العقلانيّة لمسنا فيما سبق النزوع العقلانى الأصيل عند العلاء ( ابن النفيس ) سواء في التزامه الدقيق بالمنهج العلمي ، أو في تناوله للتطبيقات العملية لهذا المنهج في مجالات الطب والصيدلة . . غير أن حدود العقلانية لم تقف في أعمال العلاء عند المنهج وتطبيقاته ، ولم تقتصر على عنايته بالمنطق والتوغّل في مباحثه ؛ وإنما تجلّت العقلانية عنده في أخطر القضايا وأكثرها حساسية في عصره - والعصور السابقة واللاحقة - كالصلة بين الدين والعلم ، ومعالجة القضايا الدينية ذاتها . فعلى صعيد الصلة بين العلم والدين ، نظر العلاء إلى الدين باعتباره الدائرة الشرعية التي تحكم سلوك الإنسان وتلزمه بأوامر الله ونواهيه ، دونما تعميم متعسّف على المسائل العلمية ، أو إقحام للرؤى الإيمانية في مجال البحث العلمي . . فهو على سبيل المثال ، يعرض بحياد كامل في كتابه الموجز وموسوعته الشامل للمنافع الطبية للخمر ، وأفعالها الجيدة في الجسم ، والأجود والأردأ من الخمور ، وغير ذلك من التفاصيل المتعلّقة بهذا الموضوع من زاويته الطبية ، فيكتب في ذلك بموضوعية كاملة وحياد تام ، بلا تحرّج من التحريم الشرعي للخمر ، ودونما اعتبار لكونه فقيها يدرس الفقه الشافعي في المدرسة المسرورية وفيلسوفا مسلما ينتصر للشرعيات في رسالته الكاملية فاضل بن ناطق . ومع ذلك ، فهو - على مستوى السلوك الشخصي - يرفض تناول الخمر حتى للتداوي في علة مرضه الأخير قائلا : « لا ألقى الله وفي باطني شئ من الخمر » فالحقيقة العلمية عنده أمر يختلف في طبيعته عن المسائل الشرعية . . فلا يخلط بين كليهما ، وإنما يلتزم في العلم بالعقلانية ، ومن ناحية الدين يلتزم بالأمر والنهى . وهو في ذلك لا يعاني الفصام ، وإنما يدرك أن الشريعة واجبة الطاعة من حيث هي شريعة ، لا من حيث إن العلم أقرّها . وللعلم حقائقه التي يتوصل إليها بالبحث العقلي بعيدا عن الأحكام الشرعية ؛ ولذا نبغ في العلوم فضلاء غير مسلمين ، كالفاضل أبقراط الذي كان العلاء كثير التقدير له ، لدرجة أنه كان