يوسف زيدان
138
إعادة اكتشاف ابن نفيس
إذا وجد خللا ما في نصوص أبقراط الطبية ، لم يكن يسارع إلى نقدها ، وإنما يصحّحها ويعلّق عليها بعبارة مثل : ولعل هذا من عمل النّسّاخ يقصد الذين نقلوا كتب أبقراط عبر العصور ! كما تتجلّى عقلانية العلاء في تناوله القضايا الدينية ذاتها ، حتى إنه يبدو في بعض النواحي صادما . . فمن ذلك ، تأكيده في المختصر على أن الأحاديث الشريفة ليست يقينية يقينا تامّا ! يقول : وأما الأخبار التي بأيدينا الآن ، فإنما نتبع فيها غالب الظن ، لا العلم المحقق ، خلافا لقوم ، وقال قوم : إن جميع ما اتفق عليه مسلم والبخاري ، فهو مقطوع به ، لأن العلماء اتفقوا على صحة هذين الكتابين . والحقّ أنه ليس كذلك ! إذ الاتفاق إنما وقع على جواز العمل بما فيهما ، وذلك لا ينافي أن يكون ما فيهما مظنونا بصحته ، فإن الله تعالى لم يكلّفنا الوقوف عند العلم ، ولذلك يجب الحكم بموجب البيّنة ، وإن كانت إنما أفادت الظن « 1 » . وهو يرى أن تدخّل عنصر الذاكرة الفردية في رواية الأحاديث ، وطول الزمن ما بين حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم وتدوين الأحاديث ، يجعل الحديث الواحد منها - ما لم يتواتر - مظنونا بصحته ، لكنه غير تامّ اليقين كما هو الحال في الآيات القرآنية ، وفي الأحاديث المتواترة ، وهي قليلة العدد . . مما يفتح الباب أمام إعمال العقل ، ويرجّح البرهان العقلي على البرهان السمعي . وفي الوريقات يفرد العلاء فصلا بعنوان : في البرهان العقلي والسمعي وما هو منهما أشرف . فإذا به ينتصر للبرهان الأول العقلي ، ويورد الحجج الدالة على رأيه ، ثم يقرّر قضية خطيرة . . حين يؤكّد ضرورة الأخذ بالبرهان العقلي إذا بدا تعارض بينه وبين البرهان السمعي ! بل هو يرفض ما فعله المتكلّمون المعتزلة خصوصا من تأويل للآيات والأحاديث التي بدا لهم أنها تعارض ما برهن العقل عليه ، ويقول بالتوقّف عند ظاهر الآيات والأحاديث ، والأخذ بما قام عليه برهان
--> ( 1 ) علاء الدين ( ابن النفيس ) : المختصر في علم أصول الحديث ، ص 115 .