يوسف زيدان
132
إعادة اكتشاف ابن نفيس
من أمثال أبى نصر الفارابي وابن سينا ، نظروا للمنطق النظرة الأرسطية ذاتها التي تجعل منه آلة للعلوم ، ومقدمة نظرية لا بد أن تسبق كل علم ، لكن المتأخّرين - أهل القرن السابع الهجري - من أمثال أفضل الدين الخونجى وأثير الدين الأبهري ، جعلوا المنطق علما قائما بذاته ، وفنّا له خصوصيته بين سائر العلوم ؛ وعلى ذلك نفهم من عبارة ابن فضل الله العمرى أن ابن النفيس كان يعتبر المنطق مدخلا للعلوم « 1 » . والحقّ . . فقد أخطأت في هذا الرأي ؛ وذلك ما اتضح لي بعد دراسة متأنية لمخطوطة الوريقات في المنطق في أثناء تحقيقى لها ، وعكوفى الهادئ عليها ، ومقارنة آراء علاء الدين ( ابن النفيس ) الواردة في المخطوطة بآراء معاصريه من المناطقة ، خاصة أثير الدين الأبهري « 2 » ؛ إذ اتضح ، خلافا لما توهّمته من قبل ، أن علاء الدين ( ابن النفيس ) كان ينظر للمنطق على أنه علم ، بينما نظر إليه الأبهري باعتباره آلة للعلوم ! وهو ما يظهر من قول علاء الدين ( ابن النفيس ) : المنطق علم يتعلّم فيه التمييز بين الحدّ الصحيح وما يجرى مجراه من فاسده ، ومنفعته أن تعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكرة « 3 » . . ويقول الأبهري تحت عنوان القول في المنطق ما نصه : هو آلة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر « 4 » . . إلخ . ولا يغيب عنا هنا تطابق العبارات ! وهناك تطابق آخر في الأفكار العامة ، فكلّ من علاء الدين ( ابن النفيس ) والأبهري ، يرى أن المنطق : ليس بتمام أجزائه بديهيّا ، وإلا لما وقع فيه الخطأ وقوعا مستمرّا ولا كسبيّا ، وإلا لتوقّف اكتسابه على قانون خارج عنه ، بل بعضه بديهىّ وبعضه كسبىّ يستفاد من القسم البديهي ؛ ولهذا انبعثت الداعية إلى تعلّمه « 5 » تلك عبارة الأبهري . . وعبارة العلاء : إنّا لا ندّعى أن الذهن لا يكفى في
--> ( 1 ) يوسف زيدان : التراث المجهول ( دار الأمين - القاهرة 1994 ) ص 134 . ( 2 ) هو المفضل بن عمر بن المفضل المتوفى 663 هجرية . اشتهر بمقدمته المنطقية إيساغوجى ، وله أيضا العديد من المؤلّفات المنطقية والفلسفية والفلكية ( انظر ترجماته في : وفيات الأعيان 5 / 313 - الوافي بالوفيات 26 / 5 - تاريخ مختصر الدول ص 445 - الأعلام 7 / 279 - معجم المؤلفين 12 / 315 ) . ( 3 ) علاء الدين ( ابن النفيس ) : الوريقات في المنطق ( مخطوطة أكسفورد - بودليان رقم 468 ) الورقة الثالثة ب . ( 4 ) الأبهري : عنوان الحق وبرهان الصدق ( مخطوطة جامعة إسطنبول رقم 3134 ) الورقة الثانية أ . ( 5 ) المصدر السابق ، الورقة الرابعة أ .