محمد بن الطيب الباقلاني
256
إعجاز القرآن
فإن ادعى ملحد ، أو زعم زنديق ، أنه لا يقع العجز عن الاتيان بمثل السور القصار أو الآيات بهذا المقدار ! قلنا له : إن الاعجاز قد حصل بما بيناه ، وعرف بما وقفنا عليه ( 1 ) من عجز العرب عنه . ثم فيه شئ آخر ، وهو : أن هذا سؤال لا يستقيم للملحد ( 2 ) ، لأنه يزعم أنه ليس في القرآن كله إعجاز ، فكيف يجوز أن نناظره على تفصيله ( 3 ) ؟ ! وإذا ثبت لنا معه إعجازه في السور الطوال ، قامت الحجة عليه ، وثبتت المعجزة ، ولا معنى لطلبه لكثرة الأدلة والمعجزات . ونحن نعلم أن ( 4 ) إعجاز البعض بما بيناه ، والبعض الآخر بأنه ( 5 ) إذا ثبت الأصل لم يبق بعد ذلك إلا قولنا ، لأنا عرفنا في البعض ( 6 ) الاعجاز بما بينا ، ثم عرفنا في الباقي بالتوقيف ، ونحو ذلك . وليس بممتنع اختلاف حال الكلام ، حتى يكون الاعجاز على بعضه أظهر ، وفى بعضه أغمض ، ومن آمن ببعض دون بعض كان مذموما ، على ما قال الله تعالى : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ( 7 ) وقال : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) ( 8 ) فظاهره عند بعض أهل التأويل كالدليل على أن الشفاء ( 9 ببعضه أوقع ، وإن كنا نقول : إنه يدل على أن الشفاء 9 ) في جميعه . واعلم أن الكلام يقع فيه الأبلغ والبليغ ، ولذلك كانوا يسمون الكلمة : " يتيمة " ، ويسمون البيت الواحد : " يتيما " ( 10 ) . سمعت إسماعيل بن عباد ( 11 ) يقول : سمعت أبا بكر بن مقسم ( 12 ) يقول :
--> ( 1 ) م : " بما وصفناه من " ( 2 ) م : " للملحدة " ( 3 ) م : " على تفضله " ( 4 ) م : " نعلم إعجاز " ( 5 ) م : " لأنه " ( 6 ) م : " في بعض " ( 7 ) سورة البقرة 85 ( 8 ) سورة الإسراء 82 ( 9 - 9 ) ما بين الرقمين ساقط من م ( 10 ) م : " بيتا " . ( 11 ) س : " عبادة " وقد توفى الصاحب إسماعيل بن عباد سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ، كما في وفيات الأعيان 1 / 290 ( 12 ) اسمه محمد بن الحسن بن يعقوب ، ولد سنة 265 ومات سنة 345 راجع ترجمته في معجم الأدباء 18 / 150 - 154 وبغية الوعاة ص 36 وتاريخ بغداد 2 / 206 - 208