محمد بن الطيب الباقلاني
255
إعجاز القرآن
وهل تعرفون إعجاز كل قدر من القرآن بلغ الحد الذي قدرتموه بمثل ما تعرفون به إعجاز سورة البقرة ونحوها ؟ فالجواب : أن [ شيخنا ] ( 1 ) أبا الحسن الأشعري ، رحمه الله ( 2 ) ، أجاب عن ذلك : بأن كل سورة قد علم كونها معجزة بعجز العرب عنها . وسمعت بعض الكبراء من أهل هذا الشأن ، يقول : إن ذلك يصح أن يكون علم ذلك توقيفا . والطريقة الأولى أسد . وليس هذا الذي ذكرناه أخيرا بمناف له ، لأنه / لا يمتنع أن يعلم إعجازه بطرق مختلفة تتوافى عليه وتجتمع فيه . واعلم أن تحت اختلاف هذه الأجوبة ضربا من الفائدة . لان الطريقة الأولى تبين أن ما علم به كون جميع القرآن معجزا - موجود في كل سورة ، صغرت أو كبرت ، فيجب أن يكون الحكم في الكل واحدا . والطريقة الأخيرة تتضمن تعذر معرفة إعجاز القرآن بالطريقة التي سلكناها في كتابنا ( 3 ) من التفصيل الذي بينا ، فيما تعرف به في الكلام الفصاحة ، وتتبين به ( 4 ) البلاغة ، حتى يعلم ذلك بوجه ( 5 ) آخر ، فيستوي في هذا القدر البليغ وغيره في أن لا يعلمه معجزا حتى يستدل به من وجه آخر سوى ما يعلمه البلغاء من التقدم في الصنعة ، وهذا غير ممتنع . ألا ترى أن الاعجاز في بعض السور والآيات أظهر ، وفى بعضها أغمض [ وأدق ؟ فلا يفتقر البليغ ] ( 6 ) في النظر في حال بعضها إلى تأمل كثير ، ولا بحث شديد ، حتى يتبين له الاعجاز . ويفتقر في بعضها إلى نظر دقيق وبحث لطيف ، حتى يقع على الجلية ، ويصل إلى المطلب . / ولا ( 7 ) يمتنع أن يذهب عليه الوجه في بعض السور ، فيحتاج أن يفزع فيه إلى إجماع أو توقيف ، أو ما علمه من عجز العرب قاطبة عنه .
--> ( 1 ) الزيادة من م ( 2 ) م : " رحمة الله عليه " ( 3 ) س : " في بناء من التفصيل " ( 4 ) س ، ك : " فيه " ( 5 ) م : " توجه " ( 6 ) الزيادة من ا ، ب ، م ، ك وفى س " أغمض وقد لا يحتاج في النظر " ( 7 ) م : " فلا "