محمد بن الطيب الباقلاني

248

إعجاز القرآن

ومنهاجه معيبا ، ونطاق قوله ضيقا ، حتى يستعين بكلام غيره ، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه ، من بيت سائر ، ومثل ( 1 ) نادر ، وحكمة ممهدة منقولة ، وقصة عجيبة مأثورة . وأما كلامه في أثناء ذلك فسطور قليلة ، وألفاظ يسيرة ، فإذا أحوج إلى تطويل الكلام خاليا عن شئ يستعين به - فيخلط بقوله من قول غيره - كان كلاما ( 2 ) ككلام غيره . فإن أردت أن تحقق هذا ، فانظر في كتبه في " نظم القرآن " وفى " الرد على النصارى " وفى " خبر الواحد " وغير ذلك مما يجرى / هذا المجرى ، هل تجد في ذلك كله ورقة [ واحدة ] ( 3 ) تشتمل على نظم بديع ، أو كلام مليح ؟ على أن متأخري الكتاب قد نازعوه في طريقته ، وجاذبوه على منهجه ، فمنهم من ساواه حين ساماه ، ومنهم من أبر عليه إذ باراه . هذا " أبو الفضل بن العميد " قد سلك مسلكه ( 4 ) ، وأخذ طريقه ، فلم يقصر عنه ، ولعله قد بان تقدمه عليه ( 5 ) ، لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على حدود مذهبه ، ويكملها على شروط صنعته ، ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من نحو كلامه ، كما ترى " الجاحظ " يفعله في كتبه ، متى ذكر من كلامه سطرا أتبعه من كلام الناس ( 6 ) أوراقا ، وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتابا . وهذا يدلك على أن الشئ إذا استحسن اتبع ، وإذا استملح قصد له وتعمد ( 7 ) . وهذا الشئ يرجع إلى الاخذ بالفضل ، والتنافس في التقدم . فلو كان في مقدور البشر معارضة القرآن لهذا الغرض وحده - لكثرت المعارضات ، ودامت المنافسات . فكيف وهناك دواع لا انتهاء لها ، وجوالب لأحد لكثرتها / لأنهم لو كانوا عارضوه لتوصلوا إلى تكذيبه ، ثم إلى قطع المحامين دونه عنه ، أو تنفيرهم عليه ، وإدخال الشبهات ( 8 ) على قلوبهم ، وكان القوم يكتفون بذلك عن بذل

--> ( 1 ) كذا في ا ، ب ، م . وفى س : " ومتصل " . وك : " ومثل بيت نادر " ( 2 ) سقطت هذه الكلمة من م ( 3 ) الزيادة من ا ، م ، ب ( 4 ) م ، ا ، أب : " سلك مذهبه " ( 5 ) معاذ الذوق أن نوافق الباقلاني على هواه هذا ( 6 ) م : " من كلام غيره " ( 7 ) م : " وتعمل ( 8 ) م : " أو يقلبوهم عليه بإدخال الشبه "