محمد بن الطيب الباقلاني
243
إعجاز القرآن
ما يبالي إذا انتحاه بضرب * أشمال سطت به أم يمين ( 1 ) * * * وإنما يوازن شعر البحتري بشعر شاعر من طبقته ، ومن أهل عصره ، ومن هو في مضماره أو في منزلته . ومعرفة أجناس الكلام ، والوقوف على أسراره ، والوقوف على مقداره ، شئ - وإن كان عزيزا ، وأمر - وإن كان بعيدا - فهو سهل على أهله ، مستجيب لأصحابه ، مطيع لأربابه ، ينقدون الحروف ، ويعرفون الصروف . وإنما تبقى الشبهة في ترتيب الحال بين البحتري ، وأبى تمام ، وابن الرومي ، وغيره . ونحن وإن كنا نفضل البحتري بديباجة شعره ، على ابن الرومي / وغيره من أهل زمانه - نقدمه بحسن عبارته ، وسلاسة كلامه ( 2 ) ، وعذوبة ألفاظه ، وقلة تعقد قوله . والشعر قبيل ملتمس مستدرك ، وأمر ممكن مطيع ( 3 ) . ونظم القرآن عال عن أن يعلق به الوهم ، أو يسمو إليه الفكر ، أو يطمع فيه طامع ، أو يطلبه طالب : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ( 4 ) . وكنت قد ذكرت لك قبل هذا : أنك إن كنت بصنعة علم اللسان متدربا ، وفيه متوجها متقدما ، أمكنك الوقوف على ما ذكرنا ، والنفوذ فيما وصفنا ، وإلا فاجلس في مجلس المقلدين ، وارض بمواقف المتحيرين . ونصحت لك حيث قلت : انظر ، هل تعرف عروق الذهب ، ومحاسن الجوهر ، وبدائع الياقوت ، ودقائق ( 5 ) السحر ، من غير معرفة بأسباب هذه الأمور ومقدماتها ؟ وهل يقطع سمت البلاد من غير اهتداء فيها ؟
--> ( 1 ) في ديوان المعاني : " إذا انتضاه " . وبعده فيه : وكأن المنون نيطت إليه * فهو من كل جانبيه منون أخذ عليه من هذه الأبيات تشبيهه السيف بالشمس ثم بالقبس ، لأنه قد حطه درجات ( 2 ) م : " عبارته ، وعذوبة ألفاظه " ( 3 ) س : " منطبع " ( 4 ) سورة فصلت : 42 ( 5 ) س : " ودقاق "