محمد بن الطيب الباقلاني

197

إعجاز القرآن

ولعلك تستدل بما قلنا على ما بعده ، وتستضئ بنوره ، وتهتدي بهداه . * * * ونحن نذكر آيات أخر ، لتزداد استبصارا ، وتتيقن ( 1 ) تيقنا : تأمل من الكلام المؤتلف قوله : ( حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ، ذي الطول لا إله إلا هو ، إليه المصير ) ( 2 ) . أنت قد تدربت الآن بحفظ أسماء الله تعالى وصفاته ، فانظر متى وجدت في كلام البشر وخطبهم مثل هذا النظم في هذا القدر ، وما يجمع ما تجمع هذه الآية من شريف المعاني وحسن الفاتحة والخاتمة . / ثم أتل ( 3 ) ما بعدها من الآي ، واعرف وجه الخلوص من شئ إلى شئ : من احتجاج إلى وعيد ، ومن إعذار إلى إنذار ، ومن فنون من الامر شتى ، مختلفة تأتلف بشريف النظم ، ومتباعدة تتقارب ( 4 ) بعلي الضم . ثم جاء إلى قوله : ( كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، فأخذتهم فكيف كان عقاب ، وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ) ( 5 ) . الآية الأولى أربعة فصول ، والثانية فصلان . وجه الوقوف على شرف ( 6 ) الكلام : أن تتأمل موقع قوله : ( وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ) وهل تقع في الحسن موقع قوله : " ليأخذوه " كلمة ؟ وهل تقوم مقامه في الجزالة لفظة ؟ وهل يسد مسده في الأصالة نكتة ؟ لو وضع موضع ذلك " ليقتلوه " ، أو " ليرجموه " . أو " لينفوه " ، أو " ليطردوه " أو " ليهلكوه " ، أو " ليذلوه " ، ونحو هذا ، ما كان ذلك بديعا ( 7 ) ولا بارعا ، ولا عجيبا ولا بالغا .

--> ( 1 ) كذا في م . وفى س " وتتقدم " وك : " ويتقدم " ( 2 ) سورة غافر : 1 - 3 ( 3 ) س ، ك : " واتل " ( 4 ) كذا في س ، ك . وفى م : " تتقارب بعالي الكلام " ( 5 ) سورة غافر : 5 - 6 ( 6 ) م : " على شريف " ( 7 ) كذا في م . وفى س ، ك : " بعيدا "