محمد بن الطيب الباقلاني
191
إعجاز القرآن
متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر ( 1 ) آية في أشياء مختلفة ، فيجعلها مؤتلفة ، من غير أن يبين على كلامه إعياء الخروج والتنقل ، أو يظهر على خطابه آثار التكلف ( 2 ) والتعمل ؟ وأحسب أنه لا يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - متى ( 3 ) يظفر بمثل تلك الكلمات الافراد ، والألفاظ الاعلام ، حتى يجمع بينها ، فيجلو ( 4 ) فيها فقرة من كلامه ، وقطعة من قوله . ولو اتفق له في أحرف معدودة ، وأسطر قليلة ، فمتى يتفق له في قدر ما نقول : إنه ( 5 ) من القرآن معجر ؟ هيهات هيهات ! إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة ، والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة . / متى ( 6 ) تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان عليه السلام ، بعد ذكر العنوان والتسمية ، هذه الكلمة الشريفة العالية : ( ألا تعلوا على وأتوني مسلمين ) ( 7 ) . والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير ، واشتغلت به من المشورة ، ومن تعظيمها أمر المستشار ، ومن تعظيمهم أمرها وطاعتها ( 8 ) ، بتلك الألفاظ البديعة ، والكلمات العجيبة البليغة . ثم كلامها بعد ذلك ، [ ألا ] تعلم ( 9 ) تمكن قولها : ( يا أيها الملا أفتوني في أمري ، ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ) ( 10 ) . وذكر قولهم : ( قالوا : نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ، والامر إليك ، فانظري ماذا تأمرين ) ( 11 ) ، لا تجد في صفتهم أنفسهم أبرع ( 12 ) مما وصفهم به . وقوله : ( والامر إليك ) ، تعلم براعته بنفسه ، وعجيب معناه ، وموضع
--> ( 1 ) م : " في صدر " ( 2 ) م : " التكليف " ( 3 ) م : " حتى " ( 4 ) م : " فيخلو " ( 5 ) م : " آية من القرآن معجزة " . ( 6 ) م : " فمتى " ( 7 ) سورة النمل : 31 ( 8 ) م : " وطاعتهم لها " ( 9 ) س : " بعد ذلك لتعلم " ( 10 ) سورة النمل : 32 ( 11 ) سورة النمل : 34 ( 12 ) س : " أبدع "