محمد بن الطيب الباقلاني

192

إعجاز القرآن

اتفاقه في هذا الكلام ، وتمكن الفاصلة ( 1 ) ، وملاءمته لما قبله ، وذلك قوله : ( فانظري ماذا تأمرين ؟ ) . / ثم إلى هذا الاختصار ، وإلى البيان مع الايجاز . فإن الكلام قد يفسده الاختصار ، ويعميه التخفيف منه والايجاز ، وهذا مما يزيده الاختصار بسطا لتمكنه ووقوعه ، ويتضمن الايجاز منه تصرفا يتجاوز محله وموضعه . وكم جئت إلى كلام مبسوط يضيق عن الافهام ، ووقعت على حديث طويل يقصر عما يراد به من ( 2 ) التمام ، ثم لو وقع على الافهام [ والتمام ، أخل بما ] ( 3 ) يجب فيه من شروط الاحكام ، أو بمعاني القصة وما تقتضي من الاعظام . ثم لو ظفرت بذلك كله ، رأيته ناقصا في وجه الحكمة ، أو مدخولا في باب السياسة ، أو مضعوفا ( 4 ) في طريق السيادة ، أو مشترك العبارات إن كان مستجود المعنى ، [ أو مستجود العبارة مشترك المعنى ] ( 5 ) ، أو جيد البلاغة مستجلب ( 6 ) المعنى ، أو مستجلب البلاغة جيد المعنى ، أو مستنكر اللفظ وحشى العبارة ، أو مستبهم الجانب مستكره الوضع . وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد ، وإذا اختصر كمل في بابه وجاد ، وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف / خاطره ( 7 ) ، وبعث العليم في أطرافه عيون مباحثه ، لم يقع إلا على محاسن تتوالى ، وبدائع تترى ( 8 ) . ثم فكر بعد ذلك في آية آية ، أو كلمة كلمة ، في قوله : ( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، وكذلك يفعلون ( 9 ) ) . هذه الكلمات الثلاث ، كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره ، وكالياقوت

--> ( 1 ) م : " تمكن ألفاظه " ( 2 ) م : " على " ( 3 ) الزيادة من م ومكانها بياض في ك ( 4 ) س ، ك : " أو مصفوفا " ! ( 5 ) الزيادة من م ( 6 ) م : " مستحيل المعنى أو مستحيل " . ( 7 ) م : " أو " ( 8 ) هذا الاستعمال من الباقلاني يكاد يوهم القارئ أن كلمة " تترى " فعل مضارع ، إذ جعلها مزاملة لكلمة " تتوالى " ! و " تترى " اسم بمعنى : متواترين ، ولذلك يجوز تنوينها ، ففي اللسان 7 / 137 - 138 " وجاءوا تترى وتترا ، أي متواترين . التاء مبدلة من الواو . قال ابن سيده : وليس هذا البدل قياسا ، إنما هو في أشياء معلومة " ( 9 ) سورة النمل : 34