محمد بن الطيب الباقلاني
190
إعجاز القرآن
هذا الثناء ( 1 ) ، وكيف انتظم مع الكلام الأول ، وكيف اتصل بتلك المقدمة ، وكيف وصل بها ما بعدها من الاخبار عن الربوبية ، وما دل به عليها من قلب العصا حية ، وجعلها دليلا يدله عليه ، ومعجزة تهديه إليه ؟ / وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن ، وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة ، ثم ما شفع به هذه الآية ، وقرن به هذه الدلالة : من اليد البيضاء - عن نور البرهان - من غير سوء . ثم انظر في آية آية ، وكلمة كلمة : هل تجدها كما وصفنا : من عجيب النظم ، وبديع الرصف ؟ فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال ( 2 ) غاية ، وفى الدلالة آية ، فكيف إذا قارنتها أخواتها ، وضامتها ذواتها : [ مما ] ( 3 ) تجرى في الحسن مجراها ، وتأخذ في معناها ؟ ثم من قصة إلى قصة ، ومن باب إلى باب ، من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل ، وحتى يصور ( 4 ) لك الفصل وصلا ، ببديع ( 5 ) التأليف ، وبليغ التنزيل . * * * وإن أردت أن تتبين ما قلناه فضل تبين ، وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق - فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص ، وحديث من هذه الأحاديث ، فعبر عنه بعبارة من جهتك ، وأخبر عنه بألفاظ من عندك ، حتى ترى فيما جئت به ( 6 ) النقص الظاهر ، وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر . / ولذلك ( 7 ) أعاد قصة موسى في سور ، وعلى طرق شتى ، وفواصل مختلفة ، مع اتفاق المعنى . فلعلك ترجع إلى عقلك ، وتستر ( 8 ) ما عندك ، إن غلطت في أمرك ، أو ذهبت في مذاهب وهمك ، أو سلطت على نفسك وجه ظنك .
--> ( 1 ) م : " شأن هذا النبأ " ( 2 ) م " في الكلام غاية " ( 3 ) الزيادة من م ( 4 ) م : " وحتى يتصور " ( 5 ) م : " لبديع " ( 6 ) م : " به من " ( 7 ) م : " وكذلك " ( 8 ) م : " إلى نفسك وتسير "