محمد بن الطيب الباقلاني
170
إعجاز القرآن
والاستعارة في المصراع الثاني فيها تواضع وتقارب ، وإن كان غريبة ( 1 ) . / وأما البيت الثاني فمعدود من محاسن القصيدة ( 2 ) وبدائعها . ومعناه : ما بكيت إلا لتجرحي قلبا معشرا - أي مكسرا - من قولهم : " برمة أعشار " إذا كانت قطعا ( 3 ) . هذا تأويل ذكره الأصمعي ( 4 ) ، وهو أشبه عند أكثرهم . وقال غيره : وهذا مثل للأعشار التي تقسم الجزور عليها . ويعنى بسهميك : المعلى ، وله سبعة أنصباء ، والرقيب ، وله ثلاثة أنصباء . فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع . ويعنى بقوله : مقتل : مذلل ( 5 ) . وأنت تعلم أنه على ما يعنى به فهو غير موافق للأبيات المتقدمة ، لما فيها من التناقض الذي بينا . ويشبه أن يكون من قال بالتأويل الثاني ، فزع إليه لأنه رأى اللفظ مستكرها على المعنى الأول ، لان القائل إذا قال : " ضرب / فلان بسهمه في الهدف " ، بمعنى أصابه - كان كلاما ساقطا مرذولا ، وهو يرى أن معنى الكلمة أن عينيها كالسهمين النافذين في إصابة قلبه المجروح ، فلما بكتا وذرفتا بالدموع كانتا ضاربتين في قلبه . ولكن من حمل على التأويل الثاني سلم من الخلل الواقع في اللفظ ، ولكنه يفسد المعنى ويختل ( 6 ) ، لأنه إن كان محبا ( 7 ) - على ما وصف به نفسه من الصبابة - فقلبه كله لها ، فكيف يكون بكاؤها هو الذي يخلص قلبه لها ؟ ! واعلم بعد هذا أن البيت غير ملائم للبيت الأول ، ولا متصل به في المعنى ،
--> ( 1 ) م : " عربية " ( 2 ) م : " هذه القصيدة " ( 3 ) أراد أن قلبه كسر ثم شعب كما تشعب القدر ( 4 ) س ، ك : " رضي الله عنه " ! ( 5 ) في اللسان 6 / 249 " قال الأزهري : وفيه قول آخر ، وهو أعجب إلى . قال أبو العباس أحمد بن يحيى : أراد بقوله : " بسهميك " ها هنا سهمي قداح الميسر ، وهما : المعلى والرقيب . فللمعلى سبعة أنصباء ، وللرقيب ثلاثة ، فإذا فاز الرجل بهما غلب على جزور الميسر كلها ، ولم يطمع غيره في شئ منها ، وهي تقسم على عشرة أجزاء . فالمعنى : أنها ضربت بسهامها على قلبه فخرج لها السهمان ، فغلبته على قلبه كله ، وفتنته فملكته . ويقال : أراد بسهميها عينيها . . . قال : وهذا التفسير في هذا البيت هو الصحيح . ومقتل مذلل " . ( 6 ) كذا في م : وفى س ، ك " ولكنه إذا حمل على الثاني فسد المعنى واختل " ( 7 ) س : " كان محتاجا " !