محمد بن الطيب الباقلاني

161

إعجاز القرآن

عفاء الرسوم إلا جدة عهد ، وشدة وجد . وإنما فزع الأصمعي ( 1 ) إلى إفادته هذه الفائدة ، خشية أن يعاب عليه ، فيقال : أي فائدة لان يعرفنا أنه لم يعف رسم منازل حبيبه ؟ وأي معنى لهذا الحشو ؟ فذكر ما يمكن أن يذكر ، ولكن لم يخلصه - بانتصاره له - من الخلل . ثم في هذه الكلمة خلل آخر ، لأنه عقب البيت بأن قال ( 2 ) : * فهل عند رسم دارس من معول ! * فذكر أبو عبيدة : أنه رجع فأكذب نفسه ، كما قال زهير : / قف بالديار التي لم يعفها القدم * نعم ، وغيرها الأرواح والديم ( 3 ) وقال غيره : أراد بالبيت الأول أنه لم ينطمس أثره كله ، وبالثاني أنه ذهب بعضه ، حتى لا يتناقض الكلامان . وليس في هذا انتصار ، لان معنى " عفا " و " درس " واحد ، فإذا قال : " لم يعف رسمها " ثم قال : " قد عفا " ، فهو تناقض لا محالة ! واعتذار " أبى عبيدة " أقرب لو صح ، ولكن لم يرد هذا القول مورد الاستدراك كما قاله ( 4 ) زهير ، فهو إلى الخلل أقرب . وقوله : " لما نسجتها " ، كان ينبغي أن يقول : " لما نسجها " ولكنه تعسف فجعل " ما " في تأويل تأنيث ( 5 ) ، لأنها في معنى الريح ، والأولى التذكير دون التأنيث ، وضرورة الشعر قد قادته إلى ( 6 ) هذا التعسف . وقوله : " لم يعف رسمها " كان الأولى أن يقول : " لم يعف رسمه " لأنه ذكر المنزل ، فإن كان رد ذلك إلى هذه البقاع والأماكن

--> ( 1 ) س : " وإنما قرع له الأصمعي " ! ( 2 ) ا : " بأن قال بعده " ( 3 ) ديوانه ص 145 وفيه " بلى وغيرها " والأرواح : جمع ريح . والديم جمع ديمة : والديمة مطر يدوم في سكون بلا رعد أو برق ، وقال ثعلب في شرح هذا البيت : " قال أبو زياد : عفا بعضها ولم يعف بعض " . وقال أبو عبيدة : أكذب نفسه . لم يعفها : لم يدرسها ، ثم رجع فقال : بلى ، ومثله قول الطهوي : فلا تبعدن يا خير عمرو بن جندب * بلى إن من زار القبور ليبعدا ( 4 ) م : " لو صح . ولم يكن يورد هذا القول . . . على ما قاله " ( 5 ) كذا في م ، ا ، ك ، وفى س : " التأنيث " ( 6 ) س ، ك : " قد دلته على هذا "