محمد بن الطيب الباقلاني
65
إعجاز القرآن
معتدل ، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن ، ونتجاوز حده في البراعة والحسن . ولا معنى لقول من قدر أنه ترك السجع تارة إلى غيره ثم رجع إليه ، لان ما تخلل بين الامرين يؤذن بأن وضع الكلام غير ما قدروه من التسجيع ( 1 ، لأنه لو كان من باب السجع لكان أرفع نهاياته ، وأبعد غاياته ( 2 ) . ولا بد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه ( 3 ) النظام ، وعباد بن سليمان ، وهشام الفوطي ، ويذهب مذهبهم ، في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز ، وأنه يمكن معارضته ، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف ( 4 ) . / ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم ، وأنه منتظم من فرق شتى ، ومن أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها ، ويستهين ببديع نظمه وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه . وكيف يعجزهم الخروج عن السجع والرجوع إليه ، وقد علمنا عادتهم في خطبهم وكلامهم أنهم كانوا لا يلزمون أبدا طريقة السجع والوزن ، بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة ، فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك لم يجدوا فاصلة بين نظمي الكلامين .
--> ( 1 ) م : " من السجع " ( 2 ) م : " أرفع نهاية وأبعد غاية " ( 3 ) م : " مذهب النظام " ( 4 ) قال أبو الحسن الأشعري في كتابه " مقالات الاسلاميين " ص 225 : " واختلفوا في نظم القرآن ، هل هو معجز أم لا ؟ على ثلاثة أقاويل : فقالت المعتزلة - إلا النظام وهشاما الفوطي وعباد بن سليمان - : تأليف القرآن ونظمه معجز ، محال وقوعه منهم كاستحالة إحياء الموتى منهم ، وأنه علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال النظام : الآية والأعجوبة في القرآن ما فيه من الاخبار عن الغيوب ، فأما التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد ، لولا أن الله منعهم بمنع وعجز أحدثهما فيهم . وقال هشام وعباد : لا نقول : إن شيئا من الاعراض يدل على الله سبحانه ، ولا نقول أيضا : إن عرضا يدل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يجعل القرآن علما للنبي صلى الله عليه وسلم . وزعما أن القرآن أعراض " .