محمد بن الطيب الباقلاني

64

إعجاز القرآن

هذا لما تعذر ( 1 ) عليهم مع التحدي والتقريع الشديد والحاجة الماسة إليه ، مع علمهم بطريق وضع النظم والنثر ، وتكامل أحوالهم فيه - دل على أنه اختص به ليكون دلالة على النبوة ومعجزة على الرسالة . ولولا ذلك لكان القوم إذا اهتدوا في الابتداء إلى وضع هذه الوجوه التي يتصرف إليها الخطاب على براعته وحسن انتظامه ، فلان يقدروا بعد التنبيه على وجهه والتحدي إليه ، أولى أن يبادروا إليه ، لو كان لهم إليه سبيل . / ولو كان الامر على ما ذكره السائل : لوجب أن لا يتحيروا في أمرهم ، أو لا تدخل عليهم شبهة فيما نابهم ( 2 ) ، ولكانوا يسرعون إلى الجواب ويبادون إلى المعارضة . ومعلوم من حالهم أن الواحد منهم يقصد إلى الأمور البعيدة عن الوهم ، والأسباب التي لا يحتاج إليها ، فيكثر فيها من شعر ورجز ، ونجد من يعينه على نقله عنه ، على ما قدمنا ذكره من وصف الإبل ونتاجها ، وكثير من أمرها لا فائدة في الاشتغال به في دين ولا دنيا . ثم كانوا يتفاخرون باللسن والذلاقة والفصاحة والذرابة ( 3 ) ، ويتنافرون فيه وتجري بينهم فيه الأسباب المنقولة في الآثار ، على ما لا يخفى على أهله . فاستدللنا بتحيرهم في أمر ( 4 ) القرآن على خروجه من عادة كلامهم ، ووقوعه موقعا يخرق العادات . وهذه سبيل المعجزات . فبان بما قلنا أن الحروف التي وقعت في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي تقع في الأسجاع ، لا يخرجها عن حدها ، ولا يدخلها في باب السجع . وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الاجزاء ، فكان / بعض مصاريعه ( 5 ) كلمتين ، وبعضها أربع ( 6 ) كلمات ، ولا يرون في ذلك فصاحة ، بل يرونه عجزا . فلو رأوا أن ما تلى عليهم من القرآن سجع لقالوا : نحن نعارضه بسجع

--> ( 1 ) س : " إنما تعذر " ( 2 ) م : " عليهم فيه شبهة فيما يأتيهم " ( 3 ) س : " والدارية " ( 4 ) م : " في القرآن " ( 5 ) م : " مصراعيه " ( 6 ) س : " تبلغ كلمات "