محمد بن الطيب الباقلاني

49

إعجاز القرآن

وكقوله : ( ليظهره على الدين كله ) ( 1 ) وكقوله : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) ( 2 ) . فامتنعوا من المباهلة ، ولو أجابوا إليها اضطرمت عليهم الأودية نارا ، على ما ذكر في الخبر ( 3 ) . وكقوله : ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين . ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ) ( 4 ) ولو تمنوه لوقع بهم . فهذا وما أشبهه فصل . * * * / وأما الوجه الثاني الذي ذكرناه ، من إخباره من قصص الأولين ، وسير المتقدمين فمن العجيب الممتنع على من لم يقف على الاخبار ، ولم يشتغل بدرس الآثار ( 5 ) . وقد حكى في القرآن تلك الأمور حكاية من شهدها وحضرها . ولذلك قال الله تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ، إذا لارتاب المبطلون ) ( 6 ) . وقال : ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين ) ( 7 ) . وقال : ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ، ولكن رحمة من ربك ، لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) ( 8 ) . فبين وجه دلالته من إخباره بهذه الأمور الغائبة السالفة .

--> ( 1 ) سورة التوبة 23 ( 2 ) سورة آل عمران : 60 ( 3 ) راجع أسباب نزول القرآن للواحدي 99 ( 4 ) سورة البقرة : 94 - 95 ( 5 ) قال المؤلف في كتاب " التمهيد " : ص 130 " والوجه الآخر : ما انطوى عليه القرآن من قصص الأولين وسير الماضين ، وأحاديث المتقدمين ، وذكر ما شجر بينهم وكان في أعصارهم ، مما لا يجوز حصول علمه إلا لمن كثر لقاؤه لأهل السير ، ودرسه لها وعنايته بها ، ومجالسته لأهلها ، وكان ممن يتلو الكتب ويستخرجها ، مع العلم بأن النبي ، صلى الله عليه ، لم يكن يتلو كتابا ولا يخطه بيمينه ، وأنه لم يكن ممن يعرف بدراسة الكتب ومجالسة أهل السير والاخذ عنهم ، ولا لقى إلا من لقوه ، ولا عرف إلا من عرفوه ، وأنهم يعرفون دأبه وديدنه ، ومنشأه وتصرفه ، في حال إقامته بينهم وظعنه عنهم ، فدل ذلك على أن المخبر له عن هذه الأمور هو الله سبحانه علام الغيوب " ( 6 ) سورة العنكبوت : 48 ( 7 ) سورة القصص : 44 ( 8 ) سورة القصص : 46 إعجاز القرآن