محمد بن الطيب الباقلاني
43
إعجاز القرآن
واعتراضه في حسنه ( 1 ) ومائه ، وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح ونص ، ليتحقق ما ادعيناه منه . ولولا هذه الوجوه التي بيناها ، لم يتحير فيه أهل الفصاحة ، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة ، والتصنع للمعارضة ، وكانوا ينظرون في أمرهم ، ويراجعون أنفسهم ، أو كان يراجع بعضهم بعضا في معارضته ويتوقفون لها . فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك ، علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة . إنما عدلوا عن هذه الأمور ، لعلمهم بعجزهم عنه ، وقصور فصاحتهم دونه . ولا يمتنع أن يلتبس - على من لم يكن بارعا فيهم ، ولا متقدما في الفصاحة منهم - هذا الحال ، حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل ، وحتى / يعرف حال عجز غيره . إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم يشتغلوا بذلك ، تحققا بظهور العجز وتبينا له . وأما قوله تعالى حكاية عنهم : ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ) ( 2 ) فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم [ وقد يمكن أن يكون قاله منهم أهل الضعف في هذه الصناعة دون المتقدمين فيها ] ، وقد يمكن أن يكون هذا الكلام إنما خرج منهم ، وهو يدل على عجزهم . ولذلك أورده الله مورد تقريعهم ، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز ، والضمان إلى الوفاء ، فلما لم يفعلوا ( 3 ) ذلك - مع استمرار التحدي وتطاول زمان الفسحة في إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه - علم عجزهم ، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط . ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام والحيات ، وفى وصف الأزمة والأنساع ، والأمور التي لا يؤبه لها ، ولا يحتاج إليها ، ويتنافسون في ذلك أشد التنافس ، ويتبجحون به أشد التبجح ، فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته في هذه المعاني الفسيحة ، والعبارات الفصيحة ، مع تضمن المعارضة لتكذيبه ، والذب عن أديانهم القديمة ، وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم ، وتضليله إياهم . والتخلص من منازعته ، ثم من محاربته ومقارعته .
--> ( 1 ) س : " في جنسه " ( 2 ) سورة الأنفال : 31 ( 3 ) س : " لم يستعملوا "