محمد بن الطيب الباقلاني
39
إعجاز القرآن
فإن قيل : هذه دعوى منكم ، وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن [ الاتيان ] بمثله ، وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الاتيان بمثله ، وإن كنا عاجزين ، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة ، / وأسباب غامضة دقيقة ، لا نقدر نحن عليها ، ولا سبيل لنا - للطفها - إليها . وإذا كان كذلك ، لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل . قيل : قد يمكن أن نعرف ذلك بخبر الله عز وجل . وقد يمكن أن يقال : إن هذا الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن ، وما يروون لهم من الشعر ، ويحكون عنهم من الكلام ، وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم منقول عنهم . والقدر الذي نقلوه [ من ذلك ] قد تأملناه ، فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد فصاحة الانس ، ولعله يقصر عنها . ولا يمتنع أن يسمع كلامهم ، ويقع بينهم وبينهم محاورات في عهد الأنبياء ، صلوات الله عليهم ، وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات . على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان ، ولهم أشعار محفوظة مدونة ( 1 ) في دواوينهم . قال تأبط شرا ( 2 ) : وأدهم قد جبت جلبابه * كما اجتابت الكاعب الخيعلا ( 3 ) إلى أن حدا الصبح أثناءه * ومزق جلبابه الأليلا ( 4 ) / على شيم نار تنورتها * فبت لها مدبرا مقبلا ( 5 ) فأصبحت والغول لي جارة * فيا جارتا أنت ما أهولا وطالبتها بضعها ، فالتوت * بوجه تهول واستغولا ( 6 ) فمن سال أين ثوت جارتي * فإن لها باللوى منزلا وكنت إذا ما هممت اعتزمت * وأحر إذا قلت أن أفعلا
--> ( 1 ) س : " مروية " ( 2 ) ترجمته في الشعر والشعراء 1 / 271 ، والأبيات في حماسة ابن الشجري ص 47 ( 3 ) الأدهم هنا : الليل . اجتابت : لبست . الخيعل : ثوب تبتذله المرأة . والبيت في اللسان 13 / 223 . وقد نسبه ابن بري لحاجز السروي ( 4 ) حدا : ساق . أثناء الليل : أوقاته وقطعه . الأليل : الشديد الظلمة ( 5 ) الشيم : النظر إلى النار ، وفى حماسة ابن الشجري : " على ضوء " . تنورتها : تبصرتها ( 6 ) البضع : الفرج ، تهول : صار هولة ، من الهول : أي كريه المنظر يفزع منه . واستغول : تلون