محمد بن الطيب الباقلاني

38

إعجاز القرآن

بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة . فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر ، لان الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير ، عند التكرار وعند تباين الوجوه ، واختلاف الأسباب التي يتضمن . * * * ومعنى رابع : وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل ، والعلو والنزول ، والتقريب والتبعيد ، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم ، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع . ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره ، والخروج من باب إلى سواه . حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري ، مع جودة نظمه ، وحسن وصفه - في الخروج من النسيب إلى المديح . وأطبقوا على أنه لا يحسنه ، ولا يأتي فيه بشئ ، وإنما اتفق له - في ( 1 ) مواضع معدودة - خروج يرتضى ، وتنقل يستحسن . / وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شئ إلى شئ ، والتحول من باب إلى باب . ونحن نفصل بعد هذا ، ونفسر هذه الجملة ، ونبين ( 2 ) أن القرآن - على اختلاف [ فنونه و ] ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة - يجعل المختلف كالمؤتلف ، والمتباين كالمتناسب ، والمتنافر في الافراد إلى حد الآحاد . وهذا أمر عجيب ، تبين به الفصاحة ، وتظهر به البلاغة ، ويخرج معه الكلام عن حد العادة ، ويتجاوز العرف . * * * ومعنى خامس : وهو أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام ( 3 ) [ الجن ، كما يخرج عن عادة كلام الانس ] . فهم يعجزون عن الاتيان بمثله كعجزنا ، ويقصرون دونه كقصورنا ، وقد قال الله عز وجل : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، لا يأتون بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( 4 ) ) .

--> ( 1 ) م : " في قوله مواضع " ( 2 ) س : " على أن " ( 3 ) س : " كلام الإنس والجن ، فهم يعجزون " ( 4 ) سورة الإسراء : 88