محمد بن الطيب الباقلاني
32
إعجاز القرآن
البراعة فيها ، وفى العربية ، فقد وقفوا على أنه ليس فيها / من التفاضل والفصاحة ، ما يقع في العربية . ومعنى آخر ، وهو أنا لم نجد أهل التوراة والإنجيل ادعوا الاعجاز لكتابهم ، ولا ادعى لهم المسلمون . فعلم أن الاعجاز مما يختص به القرآن . ويبين هذا أن الشعر لا يتأتى في تلك الألسنة ، على ما قد اتفق في العربية . وإن كان قد يتفق منها صنف أو أصناف ضيقة ، لم يتفق فيها من البديع ما يمكن ويتأتى في العربية ، وكذلك لا يتأتى في الفارسية جميع الوجوه التي تتبين فيها الفصاحة على ما يتأتى في العربية . فإن قيل : فإن المجوس تزعم أن كتاب زرادشت ، وكتاب مانى معجزان ؟ قيل : الذي يتضمنه كتاب مانى ، من طرق النيرنجات ( 1 ) ، وضروب من الشعوذة ، ليس يقع فيه إعجاز . ويزعمون أن في كتاب الحكم ، وهي حكم منقولة ، متداولة على الألسن ( 2 ) ، لا تختص بها أمة دون أمة ، وإن كان بعضهم أكثر اهتماما بها ، وتحصيلا لها ، وجمعا لأبوابها . وقد ادعى قوم أن " ابن المقفع " عارض القرآن ، وإنما فزعوا إلى " الدرة " و " التليمية " . وهما كتابان : أحدهما يتضمن حكما منقولة ، توجد عند / حكماء كل أمة مذكورة بالفضل . فليس فيها ( 3 ) شئ بديع من لفظ ولا معنى . والآخر في شئ من الديانات ، وقد تهوس فيه بما لا يخفى على متأمل . وكتابه الذي بيناه في الحكم ، منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة . فأي صنع له في ذلك ؟ وأي فضيلة حازها فيما جاء به ؟ وبعد ، فليس يوجد له كتاب يدعى مدع أنه عارض فيه القرآن ، بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مدة ، ثم مزق ما جمع ، واستحيا لنفسه من إظهاره . فإن كان كذلك ، فقد أصاب وأبصر القصد ، ولا يمتنع أن يشتبه عليه الحال في الابتداء ثم يلوح له رشده ، ويتبين له أمره ، وينكشف له عجزه . ولو كان بقي على اشتباه الحال عليه ، لم يخف علينا موضع غفلته ، ولم يشتبه لدينا وجه شبهته . ومتى أمكن أن تدعى الفرس في شئ من كتبها أنه معجز في حسن تأليفه ، وعجيب نظمه ؟
--> ( 1 ) النيرنجات : ضروب من السحر وليست به ، إنما هي تخييل وتلبيس . كما في تاج العروس 2 / 105 ( 2 ) م : " الألسن التي " . ( 3 ) م : " فليس في هذا منها شئ "