محمد بن الطيب الباقلاني

31

إعجاز القرآن

/ وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم : أن الكل قادرون على الاتيان بمثله ، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به . ولا بأعجب من قول فريق منهم : إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله تعالى في هذا الباب ، وإنه يصح من كل واحد منهما الاعجاز على حد واحد . * * * فإن قيل : فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله عز وجل معجز ، كالتوراة والإنجيل والصحف ؟ قيل : ليس شئ من ذلك بمعجز ( 1 ) في النظم والتأليف ، وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الاخبار عن الغيوب ( 2 ) . وإنما لم يكن معجزا لان الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن ، ولانا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما وقع التحدي إلى القرآن . ولمعنى آخر ، وهو أن ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ، ما يقع به التفاضل الذي ينتهى إلى حد الاعجاز ، ولكنه يتقارب . وقد رأيت أصحابنا يذكرون هذا في سائر الألسنة ، ويقولون : ليس / يقع فيها من التفاوت ما يتضمن التقديم العجيب . ويمكن بيان ذلك بأنا ( 3 ) لا نجد في القدر الذي نعرفه من الألسنة للشئ الواحد ، من الأسماء ما نعرف من اللغة ، وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية ، وكذلك التصرف في الاستعارات والإشارات ، ووجوه الاستعمالات البديعة ، التي يجئ تفصيلها بعد هذا . ويشهد لذلك من القرآن : أن الله تعالى وصفه بأنه : ( بلسان عربي مبين ) ( 4 ) . وكرر ذلك في مواضع كثيرة ، وبين أنه رفعه عن أن يجعله أعجميا . فلو كان يمكن في لسان العجم إيراد مثل فصاحته ، لم يكن ليرفعه عن هذه المنزلة . وأنه وإن كان يمكن أن يكون من فائدة قوله : إنه عربي مبين ، أنه مما يفهمونه ولا يفتقرون فيه إلى الرجوع إلى غيرهم ، ولا يحتاجون في تفسيره إلى سواهم ( 5 ) ، فلا يمتنع أن يفيد ما قلناه أيضا ، كما أفاد بظاهره ما قدمناه . ويبين ذلك أن كثيرا من المسلمين قد عرفوا تلك الألسنة ، وهم من أهل

--> ( 1 ) م : " معجز " ( 2 ) س : " الاخبار بالغيوب " ( 3 ) م : " فإنا " ( 4 ) سورة الشعراء : 195 ( 5 ) س : " إلى من "