محمد بن الطيب الباقلاني

22

إعجاز القرآن

بهذا في آبائنا الأولين ) ( 1 ) وقالوا : ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) ( 2 ) وقالوا : ( أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) ( 3 ) وقالوا : ( أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ) ( 4 ) ، وقال : ( وقال الذين كفروا : إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ، فقد جاءوا ظلما وزورا ، وقالوا : أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة / وأصيلا ) ( 5 ) ، ( وقال الظالمون : إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) ( 6 ) ، وقوله : ( الذين جعلوا القرآن عضين ) ( 7 ) . إلى آيات كثيرة في نحو هذا ، تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمرهم ، متعجبين من عجزهم ، يفزعون إلى نحو هذه الأمور : من تعليل وتعذير ، ومدافعة بما وقع التحدي إليه ، ووجد ( 8 ) الحث عليه . وقد علم منهم أنهم ناصبوه الحرب ، وجاهدوه ( 9 ) ونابذوه ، وقطعوا الأرحام ، وأخطروا بأنفسهم ، وطالبوه بالآيات والاتيان [ بالملائكة ] وغير ذلك من المعجزات ، يريدون تعجيزه ليظهروا عليه بوجه من الوجوه . فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم - وذلك يدحض حجته ، ويفسد دلالته ، ويبطل أمره - فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من الأمور التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة ، ويتركون الامر الخفيف ؟ ! هذا مما يمتنع وقوعه في العادات ، ولا يجوز اتفاقه ( 10 ) من العقلاء . وإلى هذا [ الموضع ] قد استقصى أهل العلم الكلام ، وأكثروا في هذا المعنى وأحكموه . / ويمكن أن يقال : إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والاتيان بمثل ما أتى به ، لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة ، وهم على ما هم عليه من

--> ( 1 ) سورة القصص : 36 ( 2 ) سورة الحجر : 6 ( 3 ) سورة الأنبياء : 3 ( 4 ) سورة الصافات : 36 ( 5 ) سورة الفرقان 4 و 5 ( 6 ) سورة الفرقان : 8 ( 7 ) سورة الحجر : 91 ( 8 ) س : " وعرف " ( 9 ) س : " وجاهروه " ( 10 ) س : " إتقانه "