يوسف زيدان

44

رسالة الأعضاء

ومن الأمور المدهشة ، أن ترجمة ابن القف قد وردت كآخر ترجمة في ( عيون الأنباء ) حيث يذكر فيها : « هو الحكيم الأجلّ أمين الدولة أبو الفرج بن القفّ ، كان والده صديقا لي مستمرّا في تأكيد مودته ، كان ولده هذا أبو الفرج تتبين فيه النجابة من صغره ، كما تحقّقت في كبره . . قصد أبوه تعليمه الطب ، فسألني ذلك ، فلازمني حتى حفظ الكتب المتداول حفظها في صناعة الطب ، كمسائل حنين والفصول لأبقراط ، وتقدمة المعرفة له ، وقرأ عليّ بعد ذلك في العلاج من كتب أبي بكر الرازي ، وعرّفته أصول ذلك وفصوله ، وفهّمته غوامضه ومحصوله » وبعد أن تورد هذه الترجمة كتب ابن القف ، تنتهي بقوله « توفي في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين وستمائة ، والله أعلم » « 1 » . ولا ندري كيف يمكن أن يرد تاريخ الوفاة الصحيح ( 685 هجرية ) مع أن ابن أبي أصيبعة صاحب الكتاب ، توفي سنة 668 هجرية . . وكيف نقبل هذا التأكيد الشديد على تلمذة ابن القف لابن أبي أصيبعة ، وعدم ذكر أستاذه الأصلي ( ابن النفيس ) مع أن المؤرخين المعتمدين ، كالعمري وغيره ، عدّوه من تلاميذ ابن النفيس المشهورين « 2 » . عموما ، إن هناك تلفيقا ودسّا ، قد وقع في النسخة المنشورة من كتاب ( عيون الأنباء ) والعجيب أن محقّق الكتاب ، لم يلحظ ذلك التناقض في تواريخ وفاة ابن القف وابن أبي أصيبعة ، مع ملاحظة أن هذا الخلط قد ورد بنسخة ( عيون الأنباء ) المحقّقة في بيروت ، ولا نعرف إذا كان قد ورد أيضا في طبعة المستشرق موللر ؛ وهي الطبعة التي لم نطلع عليها لنفادها منذ عشرات السنين . . وعلى أية حال ، فإن ترجمة ابن النفيس المدسوسة على نسخة ( عيون الأنباء ) المحفوظة بالظاهرية ، وترجمة ابن القف المدسوسة - أيضا - على النسخة المحقّقة المنشورة من هذا الكتاب ، تدعونا لإعادة النظر في ( عيون الأنباء ) خاصة تلك الترجمات الواردة بنهايته . ونعود لابن القف ، الذي لم يقتصر جهده العلمي على جانب الطب وحده ، بل تعدّاه - كسائر معاصريه - إلى فنون وعلوم أخرى ؛ فقد درس الفلسفة والفلك ، فتلقى المعارف الفلسفية على يد شمس الدين الخسروشاهي ، وعز الدين الغنوي الضرير ، وقرأ كتاب أقليدس على يد مؤيد الدين العرضي .

--> ( 1 ) ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء ، ص 768 . ( 2 ) راجع ترجمة ابن النفيس في مخطوط مسالك الأبصار ، 7 ، 225 .