وانصرفوا ، فقلت لهم : ألهذا دعانا الأسود ؟ قالوا : نعم ! وهو الضيافة الكبيرة عندهم « 29 » ، فأيقنت حينئذ أن لا خير يرتجى منهم ، وأردت أن أسافر مع حجاج أيوالاتن ، ثم ظهر لي أن أتوجه لمشاهدة حضرة ملكهم .
وكانت إقامتي بايوالّاتن نحو خمسين يوما وأكرمني أهلها وأضافوني ، منهم قاضيها محمد بن عبد الله بن ينومر ، وأخوه الفقيه المدرس يحيى . وبلدة ايوالّاتن شديدة الحر ، وفيها يسير نخيلات يزدرعون في ظلالها البطيخ ، وماؤهم من أحساء بها ، ولحم الضأن كثير بها ، وثياب أهلها حسان مصرية ، وأكثر السكان بها من مسّوفة ، ولنسائهم الجمال الفائق وهنّ أعظم شأنا من الرجال « 30 » .
ذكر مسّوفة الساكنين بإيوالّاتن .
وشأن هؤلاء القوم عجيب ، وأمرهم غريب ، فأما رجالهم فلا غيرة لديهم ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله ، ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه ، وذلك شيء ما رأيته في الدنيا إلا عند كفار بلاد المليبار من الهنود ، وأما هؤلاء فهم مسلمون محافظون على الصّلوات ، وتعلم الفقه وحفظ القرآن ، وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات ، ومن أراد التزوج منهن تزوج لكنهن لا يسافرن مع الزوج ، ولو أرادت إحداهن ذلك لمنعها أهلها ! والنساء هنالك يكون لهنّ الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ومعها صاحبها فلا ينكر ذلك « 31 » .
هامش
( 29 ) يعتقد بعض المعلّقين أن هذا النوع من التقديم للطعام لا يعني شيئا ضد الضيف ! بل إنه يعبر عن حبّ له وعدم الكلفة معه يعبّر عن تقاليد وطنية على نحو ما يقدم المغاربة الحليب والتمر لكبار الضيوف . . .
- هذا وكلمة منشاجو تعني عبد السلطان .
( 30 ) لقطة كثيرا ما يستشهد بها اللذون يتحدثون عن مركز المرأة ودورها في المجتمع الإسلامي ، ونحن نعرف أن المسّوفيات هن اللواتي كن يشرفن في بعض الفترات على استغلال مملحة تغازّى ، فإن سكان المدينة بعد أن يبيعوا الملح ويأخذوا ما يكفي لحاجتهم يسلمون الباقي للسيدات . . .
د . التازي : المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي نشرFRIEDRICH EBERT Stiftungوالفنك - الدار البيضاء 1413 - 1992 ص 21 - التعليق 4 .
( 31 ) كأني بابن بطّوطة ينقل عمّا سيكتبه - بعد قرون - المهدي الغزّال عندما سفر عام 1179 - 1766 بين ملك المغرب وملك إسبانيا ! ! جIص 270 ، د . التازي : التاريخ الدبلوماسي جlص 270