ابن أبي عيسى الأنصاري يكنى أبا القاسم انتقل جده عبد اللّه من شارقة إلى المرية فنشأ المترجم في المرية وتفقّه بأبى القاسم بن ورد وأبى الحسن بن نافع وأخذ العربية عن أبي عبد اللّه بن أبي زيد ورحل إلى قرطبة سنة 530 فسمع بها من بقايا رجالها أبى الحسن بن مغيث وأبى عبد اللّه بن مكّى وأبى عبد اللّه بن إصبع وأبى عبد اللّه بن أبي الخصال وسمع من القادمين إليها كالقاضي أبى بكر بن العربي وغيره وأجاز له أبو الحسن شريح بن محمد وأبو الوليد بن بقوة وأبو بكر بن مدير وأبو الفضل بن عياض وكتب اليه من الإسكندرية أبو طاهر السلفي وأقام بقرطبة نحوا من ثلاثة أعوام يسمع الحديث والغريب ثم انصرف إلى وطنه المرية فلما تغلّب النصارى عليها أول مرة سنة 542 خرج منها إلى مرسية فأقام بها قليلا ثم انتهى إلى جزيرة شقر فأوطنها وولّى بها الصلاة والخطبة والأحكام نحوا من اثنتي عشرة سنة ثم إنه في سنة 556 نقل من جزيرة شقر إلى مرسية خطيبا بجامعها فالتزم ذلك مناوبا لأبى عبد اللّه بن سعادة وأبى علي بن عريب ، وسنة 575 تولّى قضاء مرسية وكان محمود السيرة معروف النزاهة لا ينعى عليه إلّا حرج في خلقه وكان آخر أئمة المحدثين بالمغرب والمسلّم له في حفظ غريب الحديث ولغات العرب وتواريخها ورجالها وأيامها لم يكن أحد من أهل زمانه يجاريه في معرفة رجال الحديث وأخبارهم ومواليدهم ووفياتهم وكان خطيبا فصيحا حسن الصوت وله خطب حسان في أنواع شتى ونقل ابن الأبّار عن أبي عبد اللّه ابن عيّاد انه كان صارما في أحكامه جزلا في أموره مكرما لأصحابه منوها بهم وكانت الرحلة اليه في وقته وطال عمره حتى ساوى الأصاغر الأكابر في الرواية عنه واقتضب صلة ابن بشكوال وعلّق عليها ولم يؤلف في الحديث على كثرة تقييده غير مجموع في الألقاب صغير ولكن له كتاب في المغازي في مجلدات وكانت ولادته في المرية في النصف من رجب سنة 504 وكان يكره أن يسأله أحد عن مولده وكانت وفاته بمرسية على رأس الثمانين من عمره ضحى يوم الخميس الرابع عشر من صفر سنة 584 ودفن خارج باب ابن أحمد إزاء مسجد الجرف في موضع مطلّ هناك كان يرتاح إلى الجلوس فيه وصلّى عليه أبو حفص الرشيد أمير مرسية وكانت جنازة لم يشاهد مثلها حتى كاد يهلك فيها ناس من كثرة الزحام . عن ابن الأبّار
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 236
مساهمون: شكيب أرسلان
ص٢٣٦