تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
مكة . واقع الأمر إن خيمة زوجة محمد على باشا كانت مخيما مكونا من حوالي عشر خيام متباينة الأحجام ، تنزل فيها النساء المرافقات لها ، وكانت الخيمة كلها محاطة بسور من قماش الكتان ، ونقدر محيطه بحوالي ثمانمائة خطوة ، وكان يحرس مدخل هذه الخيمة بعض الطواشية الذين يرتدون ملابس رائعة . داخل هذا المسوّر كانت تنصب خيام الرجال الذين يدخلون ضمن حاشيتها الكبيرة . هذا التطريز الجميل الذي يزين ذلك القصر الكتاني من الخارج ، وكذلك الألوان المتباينة التي في كل جزء أو ركن من أركان هذا القصر ، كل ذلك كان يشكل شيئا ذكرني ببعض الأوصاف الواردة في ثنايا حكايات ألف ليلة وليلة . لم يبرز من بين حاشيات الحجاج الأثرياء ، أو من بين أهل مكة ، أحد مثل عائلة الجيلاني ، ذلك التاجر الذي نصبت خيمته على شكل نصف دائرة ، وكانت تضارع من حيث الجمال والأبهة خيمة محمد على باشا ، وخيمة سليمان باشا ، كما كانت تتفوق تماما على خيمة الشريف يحيى . في أجزاء أخرى من بلاد الشرق ، قد يجرّ التاجر الثرى الهلاك على نفسه ، إذا ما راح يستعرض ثراءه في حضرة باشا من الباشوات ، لكن الجيلاني لم يتخل عن التقاليد التي تعلمها المكيون في ظل الحكم القديم ، وبخاصة زمن الشريف غالب ، الذي لم يحدث أن مارس ضغطا على أي فرد من الأفراد ، يضاف إلى ذلك أن هؤلاء التجار يعتمدون حاليا على وعود محمد على باشا ، التي تقضى باحترامه لثرواتهم وممتلكاتهم . ويتكرر طوال الفترة الصباحية إطلاق دانات المدافع التي جلبها كل من محمد على وسليمان باشا معهما . قلة قليلة فقط من الحجاج هم الذين اتخذوا لأنفسهم مناطق خيموا فيها على جبل عرفات نفسه ، وبخاصة في المناطق التي يتوفر فيها بعض التجاويف الصغيرة أو الصخور المعلقة التي قد تحميهم من أشعة الشمس . هناك اعتقاد عام في الشرق ، يزكيه الحجاج عندما يعودون إلى أوطانهم ، مفاده أن الحجاج في ذلك اليوم ، يكونون جميعا فوق جبل عرفات ، وأن الجبل له خاصية المعجزات ، وأنه يتمدد ويتسع في ذلك اليوم ، لكي يتسع عند قمته ليضم عددا غير محدود من المؤمنين .