بالإرادة ، وكل هذا راجع إلى العرض ، وهو الجسمية والنمو ، والحس والحركة ، والذي قامت به هذه الأعراض شيء يرجع بقطع النظر عن خصوصيته إلى الوجود الحق الباقي ، فما كان العالم إلا أعراضا تقوم بشيء يرجع إليه تعالى .
وأمّا كون القول بهذا المذهب يلزم منه أن يكون ما في العقبى غير ما هو في الدنيا ، وحينئذ فالعذاب والثواب لغير الفاعل العاصي والمطيع .
فجوابه أن الذي يأتي ويذهب في كل آن ، هو الذي يرجع في الآخرة على هذا المنوال لا غير ، وحيث كان مذهب هذا العارف رضي اللّه عنه في وقوع العذاب غير ما هو مذهب علماء الظاهر ؛ لم يرد عليه شيء من هذا اللازم ، وإني ضربت عنه صفحا لضيق الوقت ، مع أنه مذهب في غاية المعرفة ، فإن شئت الاطّلاع عليه فارجع إلى كتبه تجده ، وهذا الدفع كان مني مجاراة للخصم ، واللّه أعلم .
الجملة الثانية عشرة : قوله رضي اللّه عنه في فصّ هود عليه السّلام : فإيّاك أن تتقيّد بقيد مخصوص ، وتكفر بما سواه ، فيفوتك خير كثير ، بل يفوتك الأمر على ما هو عليه .
ثم قال : فكن هيوليا لصور المعتقدات كلها ، فإن اللّه أوسع وأعظم من أن يحصره عقل دون عقل ، فإنه تعالى يقول :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] ، فما ذكر أينا من أين ، وذكر أن ثمّ وجه اللّه ، ووجه الشيء حقيقته ، انتهى .
قال القاري : وهو كفر لا يخفى ؛ إذ يلزم منه أن المعتقدات المختلفة بين الطوائف المختلفة كلها حق ، واعتقاد إن جميعها صدق ، وهذا مذهب الزنادقة والاتّحادية والملاحدة .