على أن وصف المصيب بأنه مصيب ، قد يراد به وقوع فعله على ما أراد ، وقد يراد به أنه فعل حسنا ؛ وكذلك وصفه بأنه مخطئ . والّذي يبنى على الذم أو المدح ، من ذلك ، ما أفاد كونه فاعلا لحسن أو قبيح ، دون ما أراد وقوع المراد على ما أراد ، وعلى خلافه . وهذا يوجب كونه تعالى مخطئا بفعل الظلم ، على قولهم ، من حيث فعل القبيح . وأن كون قولهم : انه فعله ، من حيث كان ظلما قبيحا ؛ مؤكدا لكونه مخطئا .
فقولهم : بأنه مصيب بفعله ، من حيث وقع على ما أراد ؛ لا يؤثر في هذا الالزام . لأنه لا يوجب خروجه من كونه فاعلا لقبيح ، وكونه مخطئا ، على هذا الوجه .
فان قيل : إذا جاز أن يفعل تعالى الحركة والسواد ولا يكون متحركا ولا أسود ، والولد ولا يكون والدا ؛ واللحية ولا يكون ملتحيا ، والخضوع والعبادة ولا يكون خاضعا عابدا ؛ فهلا جاز أن يفعل الظلم ، ولا يكون ظالما ؟
قيل له : ان الّذي يجب فيه ما ذكرناه ، هو كل صفة أخرى على الفاعل / من حيث فعل ؛ فأما ما أجرى عليه ، وأفيد به غير ذلك ، فغير واجب فيه ما ذكرناه . وعلامة ذلك أن نعتبره بأن يستحقه تعالى ، لو تفرد ، فيحكم باستحقاقه له ، وان جعله كسبا ، على قولهم ؛ أو نعتبره بأن يستحقه الواحد منا ، متى فعله ، وأن نرجع الاستحقاق إلى جملته لا إلى كل جزء منه ، وأن يستحقه ، حلّ في بعضه أو في جسم منفصل منه ، الا أن يكون لحلوله في بعضه مدخل فيما يفيد التسمية . وقد ثبت أن الظالم انما يوصف بأنه ظالم ، من حيث فعل الظلم ، على ما قدمناه . فيجب وصفه تعالى بذلك ، لو كان فاعلا للظلم ، وكذلك في سائر الأوصاف المشتقة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 238
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٨