تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في أصول الدين — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
فلا يكون الخلاء عدما ، بل مقدارا . والمقدار اما أن يكون عبارة عن نفس الجسم ، أو عن صفة قائمة بالجسم . فثبت : أنه لو فرض الخلاء حاصلا ، لما كان خلاء ، بل كان ملاء . فإذا فرض الخلاء يفضى ثبوته إلى نفيه ، فكان القول به باطلا . الحجة الثانية لهم : لو فرضنا الخلاء ، لكانت الحركة فيه اما أن تقع في زمان ، أو لا في زمان . والقسمان باطلان ، فبطل القول بالخلاء . انما قلنا : ان الحركة فيه يمتنع وقوعها في زمان . وذلك لأن المتحرك فيه كلما كان أرق كانت المعاوقة فيه أقل ، فكانت الحركة فيه لا محالة أسرع . وإذا ثبت هذا ، فلنفرض مائة ذراع من المسافة ، ولنفرض أنها لو كانت خلاء ، لتم قطعها في ساعة واحدة ، ولو كانت ملاء من الهواء ، لتم قطعها في عشر ساعات . فإذا فرضنا ملاء أقل معاوقة من الهواء ، بحيث تكون نسبة معاوقته إلى معاوقة الهواء ، كنسبة زمان الحركة في الخلاء إلى الحركة في الهواء ، لزم أن يقع قطع تلك المسافة المملوءة من ذلك الملاء الرقيق في ساعة واحدة ، فتكون الحركة في الملاء مثل الحركة في الخلاء ، فتكون الحركة مع المعاوق ، كهى لا مع المعاوق . وذلك محال . فثبت : أنه لو صح القول بالخلاء ، امتنع وقوع الحركة فيه في زمان . وانما قلنا : انه يمتنع وقوع الحركة في الخلاء لا في زمان ، لأن كل حركة فهي على مسافة وكل مسافة منقسمة . وإذا كان كذلك كانت الحركة إلى نصفها متقدمة على الحركة من نصفها إلى آخرها . ومتى كان كذلك ، كانت الحركة واقعة في الزمان . فثبت بما ذكرنا : أن الحركة في الخلاء ، اما أن تحصل في زمان ، أو لا في زمان . وثبت فساد هذين القسمين ، فثبت القطع بأن القول بوجود الخلاء محال باطل .
الأربعين في أصول الدين — صفحة 36 | فخر الدين الرازي