ما قال لا قط إلا في تشهّده * لولا التشهد كانت لاءه نعم
عمّ البرية بالاحسان فانقلعت * عنها الغواية والاملاق والعدم
من معشر حبّهم دين وبغضهم * كفر وقربهم ملجىّ ومعتصم
إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل : هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت * والأسد أسد الشرى والباس محتدم
لا ينقص العسر بسطامن اكفّهم * سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
يستدفع السوء والبلوى بحبهم * ويستزاد به الاحسان والنعم
مقدّم بعد ذكر اللّه ذكرهم * في كل بدء ومختوم به الكلم
من يعرف اللّه يعرف أوليّة ذا * فالدين من بيت هذا ناله الأمم
فتكدر هشام وشق عليه سماع هذه القصيدة ، وقال له : ألا قلت فينا مثلها ، قال : هات جدا كجده وأبا كأبيه ، واما كأمه حتى أقول مثلها فأمر بحبس الفرزدق بعسفان - بين مكة والمدينة - فبلغ الامام خبره فبعث اليه باثني عشر ألف درهم ، فردها الفرزدق وقال :
انا مدحته للّه تعالى لا للعطاء ، فبعث بها الامام ثانية واقسم عليه في قبولها وقال له : قد رأى اللّه مكانك ، وعلم نيتك وشكر لك . ونحن أهل البيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه ، فقبلها امتثالا لأمر امامه . وظل يهجو هشاما وهو في الحبس . ومما هجاه به قوله :
أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء باد عيوبها
فبلغ شعره هشاما فاطلقه .
قال شيخ الحرمين أبو عبد اللّه القرطبي : لو لم يكن لأبي فراس عند