النبي صلى اللّه عليه وسلم الكتابة ، بينما كان البعض من التابعين لا يكتب .
ولعل من الأسباب التي دعت للكتابة أيضا ، أن الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد كثر في عهد التابعين بسبب بداية ظهور الفرق الإسلامية ، وبسبب من دخل في الإسلام ممن لا يرجو له وقارا ، ولا لأهله استقرارا .
ولذا يقول الإمام الزهري : لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ، ما كتبت حديثا ، ولا أذنت في كتابة « 1 » .
ثم قال أيضا : يا أهل العراق ، يخرج الحديث من عندنا شبرا ، ويصير عندكم ذراعا « 2 » .
إذن فالتفسير بالمأثور أخذ أول الأمر بطريق الرواية التي اهتم بها كثير من الصحابة ، والتابعين ، وأما مرحلة التدوين فقد تحرج منها البعض في بداية الأمر ، ثم انشرحت صدور الكثير منهم فكتبوا وأمروا بالكتابة ، ولعل الذي يعنينا إبرازه في هذه المرحلة والتأكيد عليه ، ذلك الدور المهم للتابعين في تدوين ما حفظوه وقالوه ، في التفسير خاصة ، وفي غيره عامة ، في زمن مبكر ، مما يؤكد عنايتهم بهذا العلم ، وسبقهم في هذا الجانب .
فعن ابن أبي مليكة قال : رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ، ومعه ألواحه فقال ابن عباس : اكتب ، حتى سأل عن التفسير كله « 3 » .
ولذا يعتبر مجاهد من أول « 4 » من دون أقوال ابن عباس ، فأدى بذلك دورا مهما في نشر فكر المدرسة المكية وتخليده ، وقد قيل : إن أول التعليقات المفسرة للقرآن هي التي أثبتها مجاهد . وتعتبر تدوينات مجاهد من أقدم مصنفات الجمع « 5 » .
وقد عثر على مخطوطة لتفسير مجاهد نسخت في القرن السادس « 6 » .
هامش
( 1 ) تقييد العلم ( 108 ) .
( 2 ) تاريخ الإسلام ( 5 / 143 ) .
( 3 ) تفسير الطبري ( 1 / 90 ) ، ومقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ( 28 ) ، وتقييد العلم ( 105 ) .
( 4 ) تلخيص البيان في مجازات القرآن ( 1 / 45 ) ، ودراسات في التفسير وأصوله ( 36 ) .
( 5 ) دراسات في التفسير وأصوله ( 56 ) ، والفهرست ( 33 ) ، وتاريخ آداب اللغة العربية ( 1 / 221 ) .
( 6 ) بين الشيعة والسنة ( 67 ) .