التّفسير : لمّا بطل كون الصّورة علّة مطلقة أو واسطة مطلقة للهيولي أراد أن يبطل القسم الثّانى من الأقسام الأربعة الّتى صدّر الباب بها ، وذلك هو أن يقال : الصّورة محتاجة إلى الهيولى . وهذا الفصل يشتمل على بيان أنّ الصّورة الّتى يمكن زوالها عن المادّة ليست بمتأخّرة في الوجود عن الهيولى . وتقريره أنّ الصّورة الجوهريّة إذا زالت عن « 1 » المادّة ، فإن لم يحصل عقيبها « 2 » في المادّة صورة أخرى تكون بدلا عنها ، لم تبق المادّة موجودة ، لما مرّ « 3 » أنّ الهيولى لا تخلو عن الجسميّة « 4 » وعن سائر الصّور النّوعيّة . وإذا كان كذلك فالشّىء الّذى عقّب « 5 » الصّورة الزّائلة بالصّورة الحادثة مقيم للمادّة ، أي حافظ لوجود المادّة بواسطة ذلك البدل .
ثمّ إنّه لا يلزم من صدق قولنا : إنّ ذلك المعقّب يحفظ وجود المادّة بذلك البدل ، صدق أن تقول : وأنّه « 6 » يحفظ ذلك البدل بتلك الهيولى ؛ لأنّ الشّىء ما لم يوجد لم يكن حافظا لوجود غيره .
فلو كانت الهيولى مقيمة للصّورة لكانت تقوم أوّلا ، ثمّ تصير بعد ذلك مقيمة لوجود الصّورة . وقد كنّا بيّنّا أنّ الصّورة مقيمة للهيولي ، فيلزم أن يكون وجود كلّ واحد منهما سابقا على وجود الآخر . وهذا هو المراد من قوله : « وبالجملة لا يمكنك أن تدير « 7 » الإقامة . »
ولقائل أن يقول : إنّ هذا الفصل كالمناقض لما مضى ، لأنّ فيه بيان أنّ الصّورة متقدّمة على الهيولى ، وفيه بيان أنّ الصّورة لمّا كانت متقدّمة على الهيولى استحال أن تكون الهيولى متقدّمة على الصّورة . وقد كانت الحجّة المذكورة على امتناع كون الصّورة علّة للهيولي مبنيّة على أنّ للهيولي تقدّما « 8 » بوجه ما « 9 » على الصّورة .
وشكّ آخر ؛ وهو أنّ قوله : « فمعقّب البدل مقيم للمادّة لا محالة بالبدل » ؛ ليس بجيّد « 10 » على الإطلاق ، فإنّ « 11 » الجسم لا ينفكّ عن أين ما وشكل ما ومقدار ما ، وإذا كان كذلك فمتى زال أين معيّن أو شكل معيّن أو مقدار معيّن فلا بدّ وأن يحصل أين آخر « 12 » وشكل آخر ومقدار آخر ليكون بدلا
هامش
( 1 ) - زالت عن : فارقت م .
( 2 ) - عقيبها : عقبها مج .
( 3 ) - لما مرّ : + من مج .
( 4 ) - عن الجسميّة : عن الصّورة الجسميّة مج .
( 5 ) - عقّب : عقيب مص .
( 6 ) - وأنّه : أنّه مج .
( 7 ) - أن تدير : أن تدبّر مج .
( 8 ) - للهيولي تقدّما : الهيولى تقدّم مص . : الهيولى بعد ما مج .
( 9 ) - بوجه ما : توجه مج .
( 10 ) - ليس بجيّد : ليس نحيله مج .
( 11 ) - فإنّ : بأنّ مج .
( 12 ) - أين آخر : آن آخر مج .