وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ ، وَأَيْدِيهِمْ ، وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ . الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ ، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
( النور - 11 ، 26 ) .
498 - هذه حادثة الإفك والبهتان ، وننظر فيما تشير إليه الآيات الكريمات التي نزلت ببراءة الطاهرة الصادقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة رضى اللّه عنها .
تشير الآية الكريمة أولا إلى أن أكثر الشر في الجماعة يجيء من أمور يحسبها الناس أمورا هينة وليست هينة في ذاتها ، بل هي إثم كبير ، كما أنها ليست هينة في آثارها لأنها تحل المجتمع وتشيع الفاحشة فيه ، وتهون الرذائل ويكون فيه رأى عام غير فاضل ، بل رأى عام فاسد ، ولا تفرخ الرذائل إلا في رأى عام فاسد ، ولذلك شدد القرآن الكريم في وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ليكون رأى عام فاضل يحث على الفضيلة ، ويدفع الرذيلة .
وتدل الآية ثانيا على أن الشهادة في الفاحشة ، لا تكون إلا بأربعة شهداء وإلا كان القول كاذبا عند اللّه تعالى مهما تكن مكانة القائل الاجتماعية ، ولذلك اقترن بهذه القالة الفاسدة حد القذف .
وتدل ثالثا على أن الظالم لا يظلم ولا يمنع من الخير ما دام قد استوفى عقابه على ما ارتكب ، لقد كان أبو بكر رضى اللّه تبارك وتعالى عنه يمد مسطحا وهو ذو قرابة به ، فلما خاض في حديث الإفك ، قطع عنه فنزل نهى اللّه تعالى عن ذلك في قوله تعالى في الآيات التي تلوناها ،
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى
إلى آخر الآية الكريمة .
وتدل هذه الآية على أمرين :
أولهما : أن الزكاة يجوز إعطاؤها للعصاة وقد أخطأ في ذلك بعض الفقهاء ، فإنها قد تمنعهم من كثير من الجرائم ، وقد تدنى قلوب العصاة ، فإن الجفوة تولد الجرائم ، والعطاء يرطب النفوس فلا تجفو ، وتحس بأن عيشها مؤتلفة مع الجماعة أدنى إلى الراحة .
ثانيهما : أن الإعطاء عند الجفوة يقرب ويمنع البعد ، وأن الصدقة تطفيء المعصية وتجلب الغفران ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
ولقد قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم « ليس الواصل بالمكافىء ، إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة » .
وتدل رابعا على طهارة نساء النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم طهارة مطلقة لأن الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين ، فتلك سنة اللّه تعالى في خلقه ، ولم تكن مخالفتها إلا في امرأة فرعون التي ذكرها القرآن