Skip to main content

عمدة القاري — Page 224

Contributors:

P.224
لم يجد نعلين فليلبس خفين واختلف العلماء في هذين الحديثين أعني حديث ابن عمر المذكور وحديث ابن عباس وجابر فزعم أصحاب أحمد أن حديث ابن عباس وجابر ناسخ لحديث عبد الله بن عمر بالقطع لأنه إضاعة مال وقال الجمهور المطلق محمول على المقيد وزيادة الثقة مقبولة والإضاعة إنما تكون فيما نهى عنه أما ما ورد الشرع به فليس إضاعة بل هو حق يجب الإيمان به وادعاء النسخ ضعيف جدا فإن قلت قال ابن قدامة يحتمل أن يكون الأمر بقطعهما قد نسخ فإن عمرو بن دينار روى الحديثين جميعا وقال انظروا أيهما كان قبل وقال الدارقطني قال أبو بكر النيسابوري حديث ابن عمر قبل لأنه قد جاء في بعض رواياته نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد يعني في المدينة فكأنه كان قبل الإحرام وحديث ابن عباس يقول سمعته يخطب بعرفات الحديث فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر فيكون ناسخا له لأنه لو كان القطع واجبا لبينه للناس إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه قلت يفسر هذا كله ما ذكره ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عباس سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو يخطب ويقول السراويل لمن لا يجد الإزار وحدثنا أحمد بن المقداد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو بذاك المكان فقال يا رسول الله ما يلبس المحرم الحديث كأنه يشير بذلك المكان إلى عرفات فإذا كان كذلك فليس فيه دلالة على ما ذكروه وادعوه من النسخ والله أعلم فإن قلت قد قيل أن قوله وليقطعهما من كلام نافع وكذا في أمالي أبي قاسم بن بشر بسند صحيح أن نافعا قال بعد روايته لهذا الحديث وليقطع الخفين أسفل الكعبين وذكر ابن العربي وابن التين أن جعفر بن برقان قال في روايته قال نافع ويقطع الخفان أسفل من الكعبين وقال ابن الجوزي روى حديث ابن عمر مالك وعبيد الله وأيوب في آخرين فوقفوه على ابن عمر وحديث ابن عباس سالم من الوقف مع ما عضده من حديث جابر وقد أخذ بحديث عمر وعلي وسعيد وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم ثم أنا نحمل قوله وليقطعهما على الجواز من غير كراهة لأجل الإحرام وينهى عن ذلك في غير الإحرام لما فيه من الفساد قلت قال أبو عمر قد اتفق الحفاظ من أصحاب مالك على لفظة وليقطعهما أنها من لفظ الحديث وأما جعفر بن برقان فوهم فيه في موضعين . الأول جعله هذا من قول نافع أنه قال فيه من لم يجد إزارا فليلبس سراويل وليس هذا حديث ابن عمر . والثاني جعله هذا موقوفا وقد روى أحمد بن حنبل حديث ابن عمر مرفوعا وفيه ذكر القطع وقال ليس نجد أحدا رفعه غير زهير قال وكان زهير من معادن الصدق ذكره عنه الميموني * الخامس قوله في هذا الحديث ولا السراويل أطلق المنع فيه وجاء في حديث ابن عباس إباحة لبس السراويل لمن لم يجد الإزار بقوله من لم يجد إزارا فليلبس السراويل فأخذ به الشافعي والجمهور منهم عطاء والثوري وأحمد وإسحق وداود ومنعه أبو حنيفة ومالك قال فالشافعي أخذ بظاهر الحديث وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول إن هذا الحديث ليس بحجة علينا ولا نحن نخالفه ولا تركنا العمل به فنحن أيضا نقول به ونجوز لبس السراويل للضرورة كما جوزتم أنتم ولكنا نقيد الجواز بالكفارة فإذا لبس وجب عليه الكفارة لأنه ليس في الحديث ما يدل على نفي وجوب الكفارة غاية ما في الباب الذي يدل عليه الحديث جواز لبس الخفين عند عدم النعلين وجواز لبس السراويل عند عدم الإزار ثم أوجبنا عليه الكفارة لدلائل أخرى دلت عليه وقال أبو عمر في التمهيد وأجمعوا أن المحرم إذا وجد إزارا لم يجز له لبس السراويل واختلفوا فيه إذا لم يجد الإزار هل يلبس السراويل وإن لبسها على ذلك هل عليه فدية أم لا فكان مالك وأبو حنيفة يريان على من لبس السراويل وهو محرم الفدية وسواء عند مالك وجد الإزار أو لم يجد وفي البدائع المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل والتستر فيه فتقه فإن لبسه ولم يفتقه فعليه دم في قول أصحابنا وقال الشافعي يلبسه ولا شيء عليه وإن لم يجد رداء وله قميص فلا بأس أن يشق قميصه ويرتدي به لأنه لما شقه صار بمنزلة الرداء وكذا إذا لم يجد إزارا فلا بأس أن يفتق سراويله خلاف موضع التكة ويأتزر به لأنه إذا فتقه صار بمنزلة الإزار والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب *